
لكي نفهم الأدب (33) الأستاذ: محمدو ولد جدو
ينزل المطر من السماء فتسيل الأودية بقدرها كما في الذكر الحكيم، ويكتب صديقي الفاضل الأستاذ محمد فال بن عبد اللطيف فيمتع قراءه ويفيدهم على اختلاف مستوياتهم دون أن يشعر صَفٌّ منهم بالغبن؛ وهي موهبة لا أعرفها لغيره من كل من قرأت لهم على كثرتهم وتنوع أساليبهم ومجالاتهم واختلاف حقبهم وبلدانهم ومشاربهم.
في المقال الواحد – أو القصيدة الواحدة- يعبر ولد عبد اللطيف عن مضامين قد لا تتفق بالضرورة، مع انسجام تام في كل منها على حدته، فيمتع صنوفا متباينة من عباد الله؛ وكل منهم يرى أنه أحاط بما توخاه الرجل! كما تجمع الرحلة الواحدة بين مستويات مختلفة تناسب أصنافا مختلفة من المسافرين، ومع ذلك فهم – في ظاهر الأمر- انطلقوا معا ووصلوا معا، إلا أن هؤلاء يشعرون بالفرق وقراء كاتبنا الكبير قليل جدا منهم من يشعر بالفرق!
أو لأقل – إذا أردت التفصيل والإيضاح- إن القارئ البسيط يجد أفكارا واضحة تنساب بسلاسة على متون عبارات واضحة الدلالة فيخرج بنتيجة طيبة، والقارئ المتوسط يستمتع – زيادة على ذلك- بالأسلوب المميز- وبعض الومضات المحيلة إلى معارف وحوادث ونوادر مختلفة فيقف على شرفات المقال مسرحا فكره في الآفاق التي فتحها له الكاتب المقتدر.
فئة ثالثة تستمتع بكل ذلك وتلذه، لكنها لا تنشغل به؛ بل تتجاوزه إلى رموز غنية لا يدركها الغبي ولا يحوم حولها، فتغوص على درره وربما تعيد القراءة استبيانا لإيماءة هنا أو خبيئة هناك، لتخرج بما تراه المعنى الحقيقي الذي توخاه الكاتب!
ورغم ما للرجل – حفظه الله- من ميزات بين فرسان البيان وأرباب القلم فإنه يختص بميزتين عمن عرفتهم من الكتاب:
1. مهما تفطن قارئه ومهما انتشى بالظفر بمكنونات معانيه فإن ثمة ما لا يمكن فهمه على نحو كامل إلا لمن عرف الكاتب وخالطه على نحو شخصي؛ يستوي في ذلك شعره ونثره.
2. من المسلّمات لدى سدنة الأقلام أن من الغباء أن يطيل الكاتب إذا كان يعرض رأيه؛ لأسباب كثيرة لا مجال لذكرها الآن، لكني وجدت محمد فال استثناء من تلك القاعدة! فعلى سبيل المثال ربما طالعت مقال رأي له يقارب صفحة كاملة من جريدة (“منتدى الشعب” مثلا) وعند ما أصل إلى نهايته يفاجئني انتهاؤه لأن أفكار الرجل وأسلوبه حجبا عني طول مقاله ففرغت منه دون أن أشعر!

