ثقافة

من روائع الحكايات والأساطير الموريتانية(43) د. محمدو احظانا

أم الروايات:
ردّاد الخبر

قال الراوي:
إليكم أحجية ماقبل الرواية؛

حاجيتكم ما جئتكم:
“ثلاث إوزّات، متلازّات: إحداهن في السماء علت؛ والثانية مع الراحلين رحلت؛ والثالثة في الدار بقيت؟”
راوِغوها حتى تصطادوها بأذهانكم.
قال الرامي الأول:
-لم أعرفها.
وقال الثاني: دعني حتى أفكر فيها فقد أخطأتها رميةَ ذهني الأولى؛
وقال الثالث:
-لدي فيها رمية واحدة؛
-لم أعرفها إن لم تكن القِدْر، وهي الإوزة التي رحلت مع الراحلين، والرماد وهو الإوزة التي بقيت في الدار، والدخان وهو الإوزة التي صعدت في السماء..
احتفى الراوي بهذه الإصابة قائلا:
-إجابة ضافية صافية.

الفصل الأول

قال لكم ماقال لكم:
إن ركبا غازيا من الرجال الأشداء، خرج يطلب أعداء له ليقضي عليهم.
وفي الطريق نزلوا تحت شجرة ظليلة عالية الأغصان، وأخذوا يطبخون طعامهم للغداء، وبينما هم منهمكون في إعداده إذ خرجت عليهم من مغارة مجاورة كلبة ضامرة من كلاب الخلاء المتوحشة، ذات الأفواه السوداء، فقال مشؤوم الجيش:
-دعوني أقتلها.
فقال له رفيق من أهل الرّوية والتحسب للعواقب:
-انتظرني قبل أن ترمي هذه الكلبة حتى أتسلق الشجرة بزادي وقوسي وسيفي وكنانتي وسرجي.
وما كاد المشؤوم ينتظره.

الفصل الثاني

عندما وصل الشاب الحازم إلى مأمنه من الشجرة رمى الفارس المشؤوم الكلبة فعوت مرت واحدة.
خرج من المغارة على الجيش أربعون كلبا وحشيا، وأقبلوا سهاما وريحا، وأنفَاسهم تسابق ضراوتهم إلى الفرسان.
أطلق الفرسان سهامهم النفاذة مطرا من قسيهم الرنانة؛ لكن الكلاب الوحشية ناورت وصارت تتلقف السهام واحدا واحدا بأفواهها في الهواء وتلفظها جانبا حتى أمسكت برقاب الرجال واحدا.واحدا، ومزقتهم إربا إربا، والتهمتهم، حتى لم يبق تحت الشجرة بعد المعركة المحتدمة سوى قطعان من كلاب الخلاء الضارية، تتمطق في دماء الرجال، وتتقافز متحفزة، وهي تنظر كلها بعين واحدة -ظمأى إلى الشاب المتسلق.

الفصل الثالث

فكر الشاب وقدر؛ والتقدير سريع: كيف يقضي على جيش الكلاب المتوحشة حتى ينزل آمنا من على الشجرة، ويعود إلى أهله بالخبر المحزن؟
لديه سيف واحد إن رمى به مسبعة الكلاب الوحشية قتل واحدا منها وفقد سيفه؛ وإن رماها بما في كنانته من سهام تلقفتها الكلاب بأفواهها الشيطانية ولفِظتها.
أخذ الفارس سهما من كنانته وشك بحده طرف سبابته، وقطّر قطرة من دمه على أذن أحد الكلاب فلعقها كلب أخر فأكله أخوه، وتشاطرت الكلاب لحم الكلب الثاني.. ثم أخذت الكلاب تتآكل فيما بينها حتى لم يبق منها إلا الكلبة الجريحة التي رماها مشؤوم الجيش أولا، وهي تتلوى وتعوي من الألم، فرماها بسهم لم تنتبه له فقضى عليها.
انتظر “ردّاد الخبر” حتى تيقن أنه لم يبق بالمغارة كلب، فنزل من على الشجرة، وأسرج فرسه، وجمع أسلحة رفاقه الذين لم يبق لهم أثر، كأنهم ذابو بين السماء والأرض، كالكلاب التي التهمتهم.
لم يبق من جيش الكلاب سوى الكلبة ااوحشية الضامرة.. ثاوية تحت الشجرة!!

لجم رداظ الخبر جياد رفاقه الغابرين، وربط أعنة بعضها إلى سُرُج بعض، وانطلق ينهب المسافات، ويتهيب المخاطر حتى حل بحيه ناجيا مُنجيا الخيل والعدة. فقص الخبر على أهله؛ ولولا حزمه ماعاد رداد خبر من ذلك الجيش، و
ما استعادت محلته عدة جيش كامل.

قال الراوي:
ورجعت عنهم أنا، أبقاني الله سالما أحدث بحكاية “رداد الخبر”، دائرا عن دائر.

م. أحظانا


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى