
لكي نفهم الأدب (56) الأستاذ: محمدو سالم ولد جدو
محمود الخضراء، آداب العرب.. لا أدري من يعرف هذين الاسمين أو يتذكرهما من زوار هذه الصفحة الغبراء، لكني لا أنساهما ولا أظنني وحدي وإن لم أجد لهما ذكرا عند غيري!
“آداب العرب” برنامج عبَر الهواء الموريتاني عبور الحلم الوردي وانطوى بانتهاء مهمة صاحبه هنا كما تطوي اليقظة الأحلام الجميلة.
محمود الخضراء أستاذ فلسطيني أمضى فترة ببلادنا في إطار اتفاق الدعم الفني المبرم بين الحكومة الموريتانية ومنظمة التحرير الفلسطينية. جاء للتدريس في أمتار مربعة من إحدى المؤسسات الثانوية فتجاوز قسمه الدراسي التراب الوطني إلى حيث يصل البث الإذاعي الموريتاني الذي لم يكن تردديا في تلك الأيام؛ بل كان يلتقط بوضوح في بلدان الجوار.
كان برنامجه (آداب العرب) من أحسن برامج حقبته (1979- 1983) مشكلا ثنائيا مرموقا مع برنامج “شاعر وقصيد” للأستاذ كابر هاشم.
جمع محمود في “آداب العرب” بين حسن الذائقة وجودة الاختيار والإلقاء المتميز، رغم أن صوته لم يكن إذاعيا بالمستوى المطلوب. كنت أستمع إليه فأرى علامات الترقيم بأذني، لأنه كان يضع الفاصلة والقوس وأنواع النقاط والعلامات بنبرته فتنساب المعاني واضحة سلسة إلى من يلقي السمع إليه.
بدأ مع الشعر العربي القديم ثم سرعان ما استعذب نصوص الشناقطة وأولاها عناية مناسبة في برنامجه القيم، وإن لم يسلم من معاناة في نطق أسماء بعض الأعلام من شعراء بلادنا.
من محمود الخضراء تعلمت تجاوز القشور وعدم الاغترار بالأشكال دون الخلوص إلى المضامين، ومنه تعلمت فك رموز بعض النصوص الأدبية المشهورة كمناظرة صاحب الديك وصاحب الكلب في كتاب الحيوان للجاحظ.. ونحوها مما ألِفْتُه في كبريات كتب الأدب دون أن أفكر في مكنونه أو أجد من ينبهني عليه.
بعض شباب تلك الأيام شن حملة على الرجل وبرنامجه بدعوى أنه ليس مؤهلا لتناول الأدب العربي، وأن الموريتانيين في غنى عنه وعن أمثاله.. ونحو ذلك من الحجج التي يبعثها الحسد وعقدة النقص، لكنهم لم يقدموا بديلا لبرنامجه، حتى بعد ما طوى متاعه وعاد من حيث أتى وتوالت بعده الأحقاب ودار ابن لقمان على حالها.
