
لكي نفهم الأدب (52) الأستاذ: محمدو سالم ولد جدو
لم يعد التشبيه بابا بلاغيا مشرعا لفحول الشعراء وإنما صار رسما داثرا يقف الفارغون عليه، عندما استغنى الشعراء عن أداة التشبيه وطاقمها في الربط بين الحاضر والمتخيل، كما لم يعد لمن يقف على الأطلال خلاق في دنيا الشعر والكتابة.
قبل ربع قرن مُطِرَ حي بدوي كنت فيه بغزارة في هدأة من الليل، وحين نهضت صباحا تجولت متفقدا بغية الاطمئنان، وأثناء ذلك مررت ببيت من صوف لإحدى ذوات قرابتي أحاله المطر إلى أنكاث، وكانت المرأة في مكان قريب، فنادتني أن لا أتجاوزها (وكانت فيها دعابة رحمها الله) فقلت لها – مداعبا- إن الوقوف على الأطلال أمر تجاوزه الزمن!
بعد ذلك بسنوات قليلة سمعت حوارا إذاعيا رمضانيا أداره مذيع جاء بإنزال مظلي (أو قذف بركاني) ويحسب نفسه أديبا، مع أديبين كبيرين، فكانا كلما أبحرا في غوارب لا يقوى على سباحتها أعادهما إلى شواطئ الإسفاف بأشرعة التشبيه الذي لا يفقه غير بعضه!
ليلتها شعرت بالقرف من التشبيه!
اليوم ونحن في عهد الومضات الأدبية التي لا يتفق المصابون بلوثة إنشائها ونقدها واستهلاكها على تعريف جامع مانع لها، يحلو لي أن أعود أحقابا إلى الوراء، فإن شئتم مسايرتي فشدوا الأحزمة وامتنعوا عن التدخين من فضلكم، وإلا فلا حرج {ما على المحسنين من سبيل}!
المعهود أن يجري تشبيه شيء بشيء أو أشياء مترابطة بأخرى مترابطة تتقابل جزئيات طرفيها كقول الأمير الشاعر تميم بن المعز:
كأن سواد الليل والنجم طالع ** بقية لطخ الكحل في الأعين الزرق
وكقول أبي الفرَج:
وكأنما الشمس المنيرة إذ بدت ** والبدر يجنح للغروب وما غرب
متحاربان لذا مجن صاغه ** من فضة، ولذا مجن من ذهب.
وقد تشبه أشياء بشيء واحد؛ وهو ما يسمى التطريز، وحاول ابن أبي الأصبع تعريفه في “تحرير التحبير” فقال: “هو أن يبتدئ المتكلم – أو الشاعر- بذكر جمل من الذات غير مفصلة، ثم يخبر عنها بصفة واحدة من الصفات مكررة بحسب العدد الذي قدره في تلك الجملة الأولى، فتكون الذوات في كل جملة متعددة تقديرا والجمل متعددة لفظا والصفة الواحدة المخبر بها عن تلك الذوات متعددة لفظا، وعدد الجمل التي وصفت بها الذوات، لأن عدد الذوات عدد تكرار واتحاد لا تعداد تغير”. انتهى الاستشهاد غير الميسر للذكر، الذي قد يكون المثال أحسن إيضاحا منه!
يقول ابن الرومي عن كأس حمراء ترفعها يد مخضوبة بالحناء إلى شفتيين لمياوين:
كأن الكأس في يدها وفيها ** عقيق في عقيق في عقيق
ويقول أبو نواس – أو غيره- عن ثوب عاشق مزعفر ومشروبه الفاقع وخده الذي أثر في لونه الضنى:
فثوبي والمدام ولون خدي ** شقيق في شقيق في شقيق
مثالان شائقان وتعريف معقد! أليس كذلك؟
قد يشبه الشيء الواحد بأكثر من شيء معا لا على البدلية، فتبدو الصورة غير جذابة ولا بهية! يقول طرفة بن العبد في معلقته واصفا قينة جمعه غير المحتشم:
إذا رجّعت في صوتها خلت صوتها ** تجاوب أظآر على رُبَع ردي
(الربع الردي الحُوار الميت) وعلاوة على غرابة الصورة العقلية للتشبيه أشهد – من واقع تجربتي- أن صوت الناقة الثاكل غير مطرب، فكيف إذا تجاوب جمع من النوق الثواكل!
أما ابن الرومي فقد وفق جزئيا (أتحدث عن الجانب المسموع مما يأتي) حين شبه غناء محبوبه بالحمام، ولكنه أغرب حين جعل الصوت الواحد شبيها لعدة أصوات في آن واحد!
كأنها غُصن لدن بمروحة ** فيها حمائم هاجتهن أشجان
إذا تمايل في ريح تلاعبه ** ظلت طرابا لها سجع وإرنان!

