
حين تسقط المقارنات الإسقاطية… الحكومة أمام اختبار الناجزية أو الرحيل /سيدنا ولد السبتي
شرعية التكليف ومأزق النتيجة
منذ أن أسبغ سيادة رئيس الجمهورية ثقته الكاملة والمطلقة على حكومة الوزير الأول المختار ولد أجاي، ووفر لها كافة أدوات السلطة والغطاء السياسي والإداري، فضلا عن تعبئة الموارد المادية الكفيلة بتنفيذ مضامين برنامجه التعهدي، خيل للمواطن الموريتاني أن عجلة الإنجاز ستدور بأقصى طاقتها الاستيعابية، وأن العهد الجديد سيتجاوز بالضرورة رتابة البيروقراطية القاتلة.
ولا نكران بطبيعة الحال لمقدار الإرباك الذي فرضته أزمات الاقتصاد العالمي المتلاحقة، وتذبذب أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية؛ إذ إنها إكراهات موضوعية تفرض نفسها على أي طاقم إداري. بيد أن تأطير الفشل الداخلي وسوء التدبير بذريعة “الإكراهات الخارجية” لم يعد بضاعة قابلة للتسويق، ولا عذرا مبررا أمام الشارع المكتوي بنار الغلاء.
إن المواطن البسيط، الذي طحنته الارتفاعات المتتالية لأسعار المواد الأساسية، لا يعنيه منطق البرهنة بالظروف القاهرة، ولا تشغله أدبيات التحليل الاقتصادي المعقد؛ بل تعنيه حصرا “النتيجة المشهودة” على أرض الواقع. فالأعذار المكررة لا تطعم جائعا، والخطابات الإنشائية المجهزة في المكاتب المكيفة لن ترقع خرق الجيوب ولن ترفع القوة الشرائية المنهارة.
حيلة “المقارنات الانتقائية”.. سلاح العاجز
لقد دأب طابور المبررين في الجهاز الحكومي، كلما حوصروا بأسئلة التقصير أو وجهت لهم سهام النقد الشعبي، على اتخاذ دول الجوار شماعة جاهزة يسقطون عليها عجزهم الإداري، متغنين في كل مناسبة وبلا مناسبة بأن وضع موريتانيا “أفضل من غيرها”.
وإن كانت الحكومة ومنابرها الإعلامية قد جعلت من هذه المقارنات المبتسرة معيارا لشرعنة ضعيف أدائها والهروب المستمر إلى الأمام، فإن حق المواطن الأصيل—باعتباره غاية العملية التنموية ومحورها—يقتضي أن يحاكم هذه الإدارة بذات المعيار الذي ارتضته لنفسها، ولكن بكامل الشفافية وبلا رتوش أو تجميل:
سؤال الصدمة والمواجهة:
كيف يستقيم عقلا، أو منطقا، أو حتى في كتب الاقتصاد الأساسية، أن تسجل أسعار المحروقات والأسمنت وبضائع البناء في موريتانيا مستويات قياسية هي الأعلى والأثقل مقارنة بجمهورية مالي؟
نحن نتحدث هنا عن دولة حبيسة، لا تمتلك منافذ بحرية، وتئن تحت وطأة أزمات أمنية وسياسية واقتصادية ولوجستية حادة ومعقدة. ومع كل ذلك، يشتري المواطن المالي المادة الأساسية بسعر أرخص بكثير مما يشتري به المواطن الموريتاني الشاطئي الذي يقع ميناء التفريغ على بعد أمتار من مدينته!
هنا تحديداً تسقط الأقنعة البلاغية، وتتداعى حجج المقارنة الانتقائية التي طالما تستر خلفها المسؤولون:
فإما أن يقر الطاقم الحكومي بوجود خلل هيكلي عميق، وفساد إداري، واحتكار جشع داخل السوق المحلية يتطلب الاستئصال الفوري بالحديد والنار؛
وإما أن يعترفوا بصريح العبارة بفشل منظوماتهم التخطيطية والرقابية، وبأنهم غير قادرين على إدارة الملفات الحيوية للبلد.
الفجوة المتسعة بين التقارير والمعاناة
إن الأزمة اليوم لا تكمن فقط في ارتفاع الأسعار أو بطء وتيرة تنفيذ المشاريع، بل تكمن في الفجوة الهائلة المتسعة يوميا بين لغة الأرقام الرسمية الواقعة في التقارير الحكومية، وبين الواقع المعيش الصعب الذي يلامسه المواطن في القرى والأرياف والأحياء الشعبية.
إن المراجعة والمساءلة لم تعد خيارا ترفيا أو مطلبا معارضا، بل أصبحت ضرورة ملحة لحماية السلم الاجتماعي وتثبيت أركان الاستقرار. فالاستمرار في نهج “تبادل المبررات” وإلقاء اللوم على المؤامرات الخارجية أو تركة الماضي، هو ضرب من إهدار الوقت الثمين وتعميق لأزمة الثقة بين المواطن ومؤسسات دولته.
الرهان الأخير: تصحيح المسار قبل فوات الأوان
إن المرحلة الحالية، وبما تتطلبه من حزم ومسؤولية وطنية، تستدعي قطيعة جذرية ومطلقة مع لغة المسكنات وتبادل الاتهامات، والذهاب فورا وبشكل غير مشروط نحو إستراتيجية تصحيح شاملة تتضمن المحاور التالية:
إجراء مراجعة شاملة وصارمة للأداء الحكومي: مراجعة لا محاباة فيها لوزير أو مسؤول، ولا مجاملة على حساب المصلحة العامة، تعتمد “معيار الإنجاز الشاخص” لا “التقرير المزين”.
تفعيل مبدأ العقاب والمحاسبة بصرامة: الضرب بجدية على أيدي المقصرين والمتقاعسين، وتجريد كل مسؤول يثبت عجزه أو تورطه في تعطيل المشاريع الوطنية من مهامه فورا.
كسر احتكار الأسواق وضبط الأسعار: اتخاذ قرارات سيادية لحماية القوة الشرائية للمواطن من جشع كبار التجار والمتنفذين، وضبط أسعار المحروقات ومواد البناء والسلع الغذائية فورا.
تسريع وتيرة المشاريع المجمدة: تحويل وعود البرنامج الرئاسي من مجرد حبر على ورق وتقارير قطاعية دورية إلى حقائق يلمسها المواطن بوضوح في طعامه، وشرابه، وصحته، وتعليمه، وبنيته التحتية.
العبرة بالخواتيم
إن هامش المناورة يضيق سريعا، والوقت المتبقي للاستدراك ليس مفتوحا إلى ما لا نهاية. فالنجاح الحقيقي لأي حكومة لا يقاس أبدا بقدرتها الفائقة على تبرير الفشل، أو براعتها في تسويق التأخير، أو التفنن في خوض المعارك الكلامية؛ بل يقاس حصريا بمدى قدرتها على نيل رضا الشارع وتخفيف أعبائه اليومية عبر الإنجاز المادي الملموس.
إن ثقة الجماهير لا تبنى بـ “المقارنات الانتقائية المضللة” ولا بالوعود المؤجلة، بل تتشكل بقرارات جريئة، ونجاعة إدارية حقيقية تشعر المواطن البسيط بأن هناك دولة قائمة ترعاه وتصون كرامته… فهل تستدرك الحكومة موقفها وتستوعب لحظة المكاشفة، أم أن قطار الإصلاح سيتجاوزها قبل فوات الأوان؟
سيدنا ولد السبتي


