
في مهبِّ ذكرى خاتمة المتقين/ النبهاني ولد أمغر
منذ رحل إمام العصر وحجة الإسلام خاتمة المتقين شيخنا العلامة المجدد الشيخ محمد الحسن ولد أحمدو الخديم، وطيفه النوراني يحوم حولي وكأنه يحرسني في عالم أحسستُ أن فراغا غير واضح المعالم أصابه، وأن خطرا هلاميا ما يتربص به الداوائر منذ ذلك المساء القائظ المحزن الذي رحل فيه من كان يحرسه في خلواته في سجداته، آناء الليل وأطراف النهار، بدعواته المستجابة التي ليس بينها وبين الله حجاب.
وفي بعض الأحيان أكون نهبًا لذكريات أثيرة فأستعيد في صمت ومضات من مسيرة ذلك البدر المنير في سُوحِ التدريسِ والتأليف والعبادة والاستقامة والذكر والنصح لله وللعباد، دامت أكثر من ستة عقود على طريق مستقيم لا عِوَجَ فيه ولا أَمْتَا، شرفني الله وأكرمني بأنْ كنت خلال قرابة ثمانية أعوام منها تلميذا مباشرا عليه تكتحلُ عينايَ برؤيته البهية وطلعته النيرة والجلوس إليه خمسة أيام متتالية كل أسبوع، وأكرمني وشرفني بأن جعلني على تواصل معه خلال ما يزيد على عقدين بعد ذلك، كنت إبانهم أزوره وأراه من حين لآخر .. “وألَّ نلك حد الكاه والل __ نلك حد الكاه..”
وآخر العهد به ضحوة @ لدى وداعنا حديث جرى!
لو كنت أعلم أن آخر عهدنا @ يوم الوداع فعلت ما لم أفعل!
آخر العهد كان يوم عليه أدخلني قبل حوالي ثلاثة أشهر، ابنه البار شيخي وأخي وصديقي العلامة المدرس عبد الرحمن، وكان في منزله العامر داخل قبة
إن المعارف والسماحة والندى @ في قبة ضربت على شيخي الأجلْ
وبعد أن أخبره الشيح عبد الرحمن، بدخولي للسلام عليه، رفعت جانب القبة ودخلت عليه فوجدته جالسا مُستقبلا القبلة وقد مدَّ يمناه بسبحة ألفت أنامله حباتِها كثيرا حتى أصبح لكل حبة تضاريسها التي حفظتها أنامله المُستغفرة.. سلمتُ عليه و جلست أمامه مُنحنيًا واضعا يميني في يمينه فأمسك بي بلطف هاشا باشا كشأنه سائلا عن حال الوالدة حفظها الله وأدام نعمتها وحال أهل الحاضرة، قبل أن يدعو لي دعوات صالحات، كانت حروفها اللينة تترك في حنايا القلب وصماخ الأذنين كما تترك السحب بالأرض القاحلة، وتحت وقع إلحاح الشيخ عبد الرحمن، أن الوقت المخصص لزورتي قد انتهى.. هممن بسحب يدي مكرها من كفه فأحسسته يمسكها حتى ينهي دعواته وما كان لي أن أسحب كفا يمسك الشيخ بها!
أكمل دعاءه وحديثه المبارك الذي لا يمل ثم ودعني..
واليوم تمر أمام ناظري طيوفٌ أحاول عبثًا أن أمسكها باليدين للقطات حية من يومياتي في حضرة ومحظرة هذا الشيخ البركة منتصف التسعينيات، فكأنني أرى جموعا من طلابه النابهين يتأبطون كتبهم وألواحهم وهم يحتشدون تحت مجموعة أشجار كانت إلى الشمال من منزل الشيخ، احتماء من شمس الساعة العاشرة، في انتظار أن يَطْلَعَ عليهم الشيخ، وفي يده “مَغْرَجَهُ” الفضي وربما تأبط كتابا أو كنابين، فيتسابق التلاميذ لحمل “مغرجه” وكتبه فمنهم المُجلِّي ومنهم المُصلِّي، فيسير وخلفه وعن جنبيه تلامذته شاقًا الطريق الضيقة المارة من بين الأشجار متجاذبا أطراف الحديث معهم؛ مجيبا على استشكال علمي من ذلك وموضحا غامضا معرفيا لذاك، ومطمَئِنًا على حال عمرو العائد توًا من عند أهله، ومستفسرا عن أمر زيد الذي تغيَّب عن درس الأمس.
وحين يصل إلى دار التلاميذ، التي تتوسط مساكن الطلاب المتناثرة يمنة ويسرة عنها، في التلة الواقعة في المنتصف بين الشجرين شمال الحاضرة عند البئر القديم، يجلس لدى باب المكتبة الواحد المفتوح داخل البيت الكبير الذي يزدحم فيه الطلاب حتى لا تجد فيه موضع إصبع، فيكون في منتصف المسافة بين تلامذته وكتبه.. التلامذ من أمامه والكتب من ورائه، ويبدأ في إنهال طلبته من رحيق معارفه في كل فن وعلِّهم، والطلبة كأن على رؤوسهم الطير لهيبة العلم و وقاره، فالشيخ احتراما للعلم لا يغير جلسته ولا يقطع درسه مهما كان القادم، حتى إذا لم يبق بينه وبين صلاة الظهر إلا ما يتوضأ فيه غادر إلى المنزل ومنه إلى المسجد وتلامذته من خلفه كما قدم، وربما أقرأ في الطريق واحدا أو اثنين.
وبعد العصر ينعقد المجلس التدريسي من جديد داخل المنزل (في البيتين الجنوبيين أو في ظِلِّهم) وحين يبدأ ضوء النهار في الانحسار، يتجهز الشيخ لصلاة المغرب والذكر والاستغفار والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعدها، وغِبَّ صلاة العشاء يعود للمنزل حيث يشرع في وِرده من الصلاة قبل أن يخلد إلى نوم يستيقظ منه رُبع الليل الأخير مْحْيِيًا له بالصلاة والذكر والدعاء، وحين يصلي الفجر في المسجد يمكث في مكان صلاته تاليا وداعيا وذاكرا حتى تباح النافلة فيصلي ركعات الضحى ويغادر إلى المنزل فالوقت أصبح لصالح المكتبة والكتب نظرا وفهما واستيعابا وتأليفا، وفي العاشرة يبدأ نفس البرنامج من جديد، وهكذا تستمر الوتيرة على هذا المنحى طيلة أيام الأسبوع، وعلى الدنيا وزخارفها ومباهجها وقيلها وقالها السلام!
رحم الله شيخا أفنى تسعين حجة في التعلم والتعليم والنصح والإرشاد والذكر والاستغفار والصلاة على النبي المختار، والتأليف والبحث، والصد عن الدنيا وأهلها، وأبقى بركته في عقبه إلى أبد الآبدين.


