
لكي نفهم الأدب (48) الأستاذ: محمدو سالم ولد جدو
كان لأبي نواس شغل عن مدح من لا يمدحه إلا لفضله لأن له وجهة أخرى وقرناء آخرين، زينوا له القصف (بمعناه المدني الأصيل) وما عرف عنه من سلوك يفتقر للاستقامة؛ ومع ذلك فقد وفق إلى ما لم يهتد إليه معاصروه في أحيان كثيرة أقتصر منها على مثالين (وأضع خطا تحت الكلمات الأربع الأخيرة):
أخذ عليه أحد ناصحيه عدم مدح علي الرضى بن موسى الكاظم رضي الله عنهما وعن مسلمي والديهما وصلى وسلم على جدهما وآله وصحبه، فأجابه بأن ذلك م يكن إلا لاحتقاره نفسه ثم خلد رأيه في أبيات تساقط المادحون حسرى في مضمارها دون أن يعلقوا بها أو يدانوها:
قيل لي: أنت أحسن الناس طرا ** في فنون من الكلام النبيه
لك من مثمر القريض مديح ** يثمر الدر في يدي مجتنيه
فعلام تركت مدح ابن موسى ** والخصال التي تجمعن فيه؟!
قلت: لا أستطيع مدح إمام ** كان جبريل خادما لأبيه!
في إحدى مجونياته يقول:
وداهري سما في فرع مكرمةٍ ** من معشرٍ خلقوا في الجود غاياتِ
ناديته بعدما مال النجوم وقد ** صاح الدَّجاج ببشرى الصبح مرَّاتِ
فقام والليل يجلوه النهار كما ** جلا التبسُّم عن دُرِّ الثَّنياتِ:
يا أحمد المرتجى في كل نائبةٍ ** قم سيدي نعصِ جبار السماوات
وقد كاد يدفع حياته ثمنا للبيت الأخير حين قبض عليه الأمين فاستفتى فقهاء مجلسه فأفتوه بزندقته، وهو ما فنده أبو نواس بالقول: أيكون زنديقا من يقر بوجود الله؟! اجمع – يا أمير المؤمنين- كل زنادقة الدنيا، فإن أقروا بجبار السماوات فاضرب عنقي!
انتبه الفقهاء إلى خطئهم لأن الزندقة قائمة على نفي وجود الرب لا الاعتراف به سبحانه (ولو مع الدعوة إلى عصيانه) فرجعوا عن فتواهم.
يبقى القول إني أبغض أبا نواس في الله رغم كل شيء.



