
لكي نفهم الأدب (3) / الأستاذ: محمدو سالم ولد جدو
قد يتطلب فهم الأدب الإلمام بالتاريخ، وقد يتطلب الإلمام بالموروث الشعبي للشاعر، أو بمعارف شتى..
ومن لطيف شعر الأندلسيين أن شاعرا دعاه وزير لم يكن راضيا عنه فلم يلب الدعوة وقال:
ابن اللهيب دعاني ** دعاء غير نبيه
إن سرت يوما إليه ** فوالدي في أبيه!
وإذا كان الشاعر صرح باسم الداعي (الوزير نجم الدين بن اللهيب) فأتيح لنا أن نعرف جزءا من المقصود فقد بقي ضباب لا يزيله عن البيت الثاني إلا معرفة الشاعر، وهو أبو الحسن علي بن محمد القيسي القرطبي، المعروف بابن خروف (ت 604هـ / 1207م) وهنا النكتة (خروف في اللهيب).
ويقول امحمد ابن أحمد يوره:
أيا نوبتي عند الهويدج والتي ** بريع بني دامان في الصيف ولت
فكلتاكما لم يبق من رسم دارها ** سوى ملّة منها العواصف ملّتِ
وكلتاكما لما عرفت رسومها ** تحرك من عرفانها حرف علتي
أقبل من ذي مرة ثم من ذه ** رسوما كأخلاق الرداء اضمحلت
وتقبيل رسم الدار من بعد أهلها ** على شوق أهل الدار أقوى الأدلة.
وإذا كان آرويگن (الهويدج) وغرد أحمد من دمان (على خلاف في المقصود) معروفين لمن يسر الله ذلك له فلعل البيت الثالث يحيل إلى ما هو معروف في علم التصريف من أنه “إذا تحرك حرف العلة وانفتح ما قبله وجب قلبه ألفا” ومن البديهي أن طبيعة الألف السكون والامتداد وهو ما يحيل (ثانيا) إلى القول الدارج: “طار أجَ ممغوط ما يصطر”.
***
سافر أبو تمام إلى بلاد الفرس مرة وهناك سمع ليلة غناء لم يفهم مفرداته ولكن أسَرَه إيقاعه فلم يبرح مكانه حتى انتهى، فقال في ذلك:
حمدتك ليلة شرفت وطابت ** أقام سهادها ونأى كراها
سمعت بها غناءً كان أولى ** بأن يقتاد نفسي من عناها
(…)
ولم أفهم معانيه ولكن ** ورت كبدي فلم أجهل شجاها
فكنت كأنني أعمى معنى ** يحب الغانيات ولا يراها!
ومع أن البيت الأخير ينطبق على كل العمي، ومن ثم لا ضرورة لأن يعني أعمى بذاته فقد رأيت قبل أزيد من ثلاثة عقود فيما لعله شرح الشريشي لمقامات الحريري أنه يعني به بشار بن برد الذي لم يعقه العمى عن بعض ما فيه عليه مقال، وهو القائل:
يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة ** والأذن تعشق قبل العين أحيانا!
لم يعاصر أبو تمام بشارا، فكان كما يقول المثل الحساني: “يحرگ أم السبع فاگفاه” ولو عاصره لكانت للحديث بقية.
