ثقافة

لكي نفهم الأدب (51) الأستاذ: محمدو سالم ولد جدو

يُكثر الشعراء من الفخر بشجاعتهم وتهويل أقرانهم، وربما وصل الأمر ببعضهم إلى تجاوز البشر إلى الزمان كما يحدث كثيرا، وإلى الموت كعنترة، أو الغول كتأبط شرا، أو الذئب كالبحتري!
في داليته “الذئبية” لا يدعي البحتري للذئب أكثر من صفاته العادية التي يحسبها من لا خبرة له تهوينا، بينما هي في الواقع تهويل! فهو أطلس؛ وبذلك يصعب على العين اكتشافه، وهو ضخم الجثة (ملء العين) وهو منتصب الأطراف متحفز، وهو خميص البطن، نحيل العظام وبذا تتضاعف شراسته وتقوى فيه غريزة حب البقاء؛ خلافا لمن قال: إنما يقاتل هيكلا عظميا!
وأطلس ملء العين يحمل زوره ** وأضلاعه من جانبيه شوى نهد
له ذنب مثل الرشاء يجره ** ومتن كمتن القوس أعوج منأد
طواه الطوى حتى استمر مريره ** فما فيه إلا العظم والروح والجلد
يقضقض عصلا في أسرتها الردى ** كقضقضة المقرور أرعده البرد
بيد أن أبا عبادة لم يكن أحسن حالا من ذئبه؛ بل كان – مثله- وحيدا فريدا بمفازة.
سما لي وبي من شدة الجوع ما به ** ببيداء لم تعرف بها عيشة رغد
كلانا بها ذئب يحدث نفسه ** بصاحبه.. والجَد يتعسه الجد
وعند بدء الهجوم يصور الشاعر المنازلة ببيت أعجب كيف استقر في الأوراق لما يمور به من حراك لا يعرف الفتور:
عوى ثم أقعى وارتجزت فهجته ** فأقبل مثل البرق يتبعه الرعد
وحين حمي الوطيس كان سلاح الشاعر أسرع وأشد وقعا من سلاح قرنه؛ لكن هذا لم يستسلم وإنما ازداد تصميما وإصرارا على كسب المعركة
فأوجرته خرقاء تحسب ريشها ** على كوكب ينقض والليل مسود
فما ازداد إلا جرأة وصرامة ** وأيقنت أن الأمر منه هو الجد
هنا يضيق هامش الخيار ولا يبقى إلا الموت أو الحياة؛ لذا يعيد صاحبنا الكرة فيقضي على مبارزه هذه المرة
فأتبعتها أخرى فأضللت نصلها ** بحيث يكون اللب والرعب والحقد
فخر وقد أوردته منهل الردى ** على ظمأ لو أنه عذب الورد!
وكما تكون كتابة التاريخ من نصيب المنتصر يكون جمع الغنيمة من نصيبه أيضا؛ حتى لو كانت جثة ذئب لم يبق منه “إلا العظم والروح والجلد” (أكرمنا الله وإياكم)
وقمت فجمعت الحصى واشتويته ** عليه وللرمضاء من تحته وقد
ونلت خسيسا منه ثم تركته ** وأقلعت عنه وهو منعفر فرد
لقد حكمت فينا الليالي بجورها ** وحكم بنات الدهر ليس له قصد.

أما مطلع القصيدة ذاتها فربما كان يستبطن أحداثها بشكل فريد
سلام عليكم لا وفاء ولا عهد ** أما لكم من هجر أحبابكم بد.


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى