
لكي نفهم الأدب (43) الأستاذ: محمدو سالم ولد جدو
الأدب المتعارف أن يكون المدح من نصيب الكرام والذم من نصيب اللئام، ويقول أهل هذه الربوع إن ذم الكرام مُنَتِّنٌ للأفواه، ومن حكاياتهم أن ضيفا ألم بحاتم الطائي فلم يقره، وفي الصباح واصل سيره، وبعدما قطع مسافة اعترضه حاتم متنكرا فسأله من أقبل وأين يريد، فأجابه عن ذلك بالتفصيل إلى أن وصل الحديث إلى آخر مبيت له فأثنى على مضيفه دون أن يعلم أنه محادثه، فلما أنهى حديثه قال له: أنا حاتم وتعلم أني لم أقرك! فما دعاك إلى الكذب؟ قال الرجل: لن يصدقني أحد إذا وصفت حاتما بغير ما سار به ذكره!
بيد أن لكل قاعدة استثناء قد يؤكدها وقد يوهنها، ومن الشعراء من لم يأبهوا بالبخر المتوعد به على ذم الكرام فبقيت أشعارهم حبيسة كتب مختصة يطالعها أناس مهتمون دون أن تحظى بانتشار يذكر.
لذا قد لا يصدق بعض الناس أن في دواوين الأدب هجاء لحاتم الطائي أشهر أجواد العرب على الإطلاق.. ومع ذلك فهي تدور!
قال يزيد بن قنانة:
لعمري – وما عمري على بهيِّن- ** لبئس الفتى المدعو بالليل حاتم
غداة أتى كالثور أحرج فاتقى ** بجبهته أقتاله وهو قائم
كأن بصحراء المريط نعامة ** تبادرها جنح الظلام نعائم
أعارتك رجليها وهافيِ لبها ** وقد جردت بيض المتون صوارم.
من حيث المعقولية فإن الغرابة في هذا نفسية؛ فالهجاء نابع من شعور نفسي، ومن غير الممكن أن يرضى الناس كلهم عن أحد. ثم إن الشاعر – وهذا أهم- لم يرم حاتما بالبخل فينفي ما اشتهر به وإنما رماه بالجبن (ولم يكن جبانا بالمناسبة).
عاقب التاريخ يزيد بأن بقي شاعرا مغمورا إلى اليوم، وقل من يعرف نصه علاوة على ذلك؛ فلم تتناقله الكتب ولم تتناشده الرواة وإنما ورد في حماسة أبي تمام وورد بيت منه في خزانة الأدب، ولا أذكر ثالثا لهذين.


