
أحمدو محمد أحمد إياهي يكتب: لكل فن أهله… قراءة فنية في المؤتمر الصحفي لفخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني الليلة البارحة
بحكم تجربتي التي تمتد لاكثر من 18 عاماً ، في مهنة الصحافة الخاصة، أشرفت خلالها على إعداد وتنفيذ عشرات الملتقيات وورشات التدريب والدورات التكوينية و بناء القدرات في المجال، وشاركت في العديد من التكوينات الدولية والإقليمية المتخصصة، أقدم فيما يلي قراءة فنية مهنية للمؤتمر الصحفي الذي عقده فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني الليلة البارحة.
وانطلاقاً من المبدأ الرصين “لكل فنٍّ أهلُه”، فإن إخضاع المؤتمر الصحفي الرئاسي للمعايير الفنية والمهنية يقتضي تحكيمه إلى أصول “صناعة الصحافة” وقواعدها الأكاديمية.
ومن هذا المنظور، نقف عند تفكيك وتحليل مؤتمر الليلة البارحة عبر أربعة محاور تقنية أساسية:
1. إدارة الحوار وديناميكية المؤتمر: ` Conference dynamique
– الإيقاع والسيولة: طغى على المؤتمر في بعض فتراته طابع “الأسئلة والأجوبة” النمطي، وافتقد إلى عنصر المتابعة الذي يحوّل المؤتمر من مجرد تلقي إجابات إلى حوار يستكشف التفاصيل.
– ادارة الزمن: يقوم نجاح المؤتمر الصحفي على التوزيع العادل للوقت بين المحاور الكبرى. ولوحظ أن بعض المحاور استأثرت بزمن أطول على حساب ملفات حيوية أخرى تهم المواطن مباشرة.
2. تقنيات صياغة الأسئلة ومهارة المحاور:
– الأسئلة المركبة مقابل المباشرة: لجأ بعض الزملاء إلى دمج عدة قضايا في سؤال واحد مطوّل، وهو ما يتيح لفخامة الرئيس فرصة اختيار الجزئية التي يرغب في الإجابة عنها وتجاوز ما عداها. والقاعدة المهنية في المؤتمرات تقتضي أن يكون السؤال موجزاً، محدداً، ومباشراً لضمان إجابة واضحة.
– كسر النمطية: مالت بعض الأسئلة إلى الطابع الإنشائي التقليدي، في حين أن المؤتمر الصحفي المعاصر يعتمد على “أسئلة الابتكار” المنبثقة من هموم الشارع الموريتاني، وتصاغ بأسلوب مهني رصين يبتعد عن المجاملة ولا ينزلق إلى الفجاجة.
3. تحديد الأداة: الفرق بين المؤتمر الصحفي والمقابلة الصحفية.
وهنا مربط الفرس مهنياً.
الفرق الفني الجوهري بين الأداتين:
1. المؤتمر الصحفي `Confrence de presse : منصة رسمية لإيصال رسائل محددة من الرئاسة إلى الرأي العام. الأسئلة فيه عامة، والزمن مضبوط، ودور الصحفي يقتصر على طرح سؤال واحد مركز ثم إفساح المجال لغيره.
2. المقابلة الصحفية`. Interview`: حوار متعمق قائم على التقصي ومحاورة الأرقام واستجلاء التفاصيل عبر “أسئلة المتابعة: Follow -Up. ودور الصحفي هنا استجوابي تحليلي.
ما برز ليلة البارحة هو تعامل بعض الزملاء مع المؤتمر على أنه “مقابلة”، فطرحوا أسئلة مركبة وطويلة تناسب طبيعة المقابلة، في حين أن طبيعة المؤتمر تقتضي أسئلة محددة ومباشرة. وهذا الخلط يُفقد المؤتمر تركيزه ويستهلك وقته دون تحقيق أقصى عائد إعلامي.
4. الإعداد الفني والموضوعات والإخراج: P.p`- & Visual`
– توزيع الأدوار والتخصص: تقتضي القيمة العلمية للمؤتمر أن يتولى كل صحفي محوراً يتقنه: اقتصادي، سياسي، اجتماعي. ويؤدي غياب التنسيق المسبق الدقيق إلى تكرار الأسئلة وتداخل المحاور.
– الإخراج التلفزيوني: المؤتمر التلفزيوني ليس صوتاً فحسب، بل هو صورة أيضاً. فتوزيع الكادرات وحركة التنقل بين فخامة الرئيس والصحفيين عنصر حاسم في إيصال هيبة الحدث إلى المشاهد. وكان يحتاج إخراج ليلة البارحة إلى مزيد من الحيوية لكسر جمود المشهد الرسمي.
إن وضوح الرؤية في تحديد “الأداة” أولاً، وتمكين نخب صحفية متمرسة متحررة من قيود الهيبة البروتوكولية المفرطة، مع المحافظة على الوقار الواجب لمقام الرئاسة، هو الكفيل بنقل هذه المؤتمرات من دائرة “تأدية الواجب الإعلامي” إلى فضاء “الحدث التواصلي الاستراتيجي” الذي يخدم الدولة والمواطن معاً.
تنويه تقدير:
ويحق لنا في هذا المقام أن نثمن عالياً سعة صدر فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني. فقد أجاب بكل أريحية وروية، ودون أي استعجال، على الأسئلة حتى المكررة منها، رغم محاولات مدير المؤتمر في بعض الأحيان التجاوز إلى أسئلة أخرى. هذا السلوك يعكس انفتاحاً رئاسياً وتقديراً لدور الصحافة وحرصاً على إيصال المعلومة للمواطن.
وفي الختام، أتقدم بخالص الشكر والتقدير لزملائي الصحفيين الذين تشرفوا بتوجيه الأسئلة إلى فخامة الرئيس ليلة البارحة. لقد كان حضورهم المهني مشرفاً، وأسئلتهم معبرة عن حس وطني عالٍ وحرص على إيصال نبض المواطن إلى أعلى مستوى. وما هذه الملاحظات إلا في سياق تبادل الخبرات بين أهل المهنة الواحدة، إيماناً منا بأن غايتنا المشتركة هي الارتقاء بأداء إعلامنا الوطني ليكون في مستوى تطلعات القيادة والشعب.
كلمة أخيرة:
وإذ أتقدم بهذه القراءة الفنية، فإنني أوصي الجهات المنظمة لهذا النوع من المؤتمرات والمقابلات الصحفية بأن تستأنس وتستعين بآراء جميع الخبراء والمختصين الممكن التواصل معهم، وذلك من أجل الاستغلال الأمثل لهذه المناسبات النادرة، بما يخدم المصلحة الوطنية ويرتقي بمستوى الوعي العام، ويعزز دور الإعلام كشريك حقي في البناء والتنمية..
التوقيع:
أحمدو محمد أحمد إياهي
المدير الناشر لموقع “وكالة وطني للأنباء”
رئيس جمعية الصحفيين المستقلين في موريتانيا للإرشاد والتهذيب.


