
حينما فاز يحيى ابن حامدٌ – رحمه الله- بجائزة شنقيط سنة 2001 عن النظرية الزائدة للأعداد (رياضيات) تذكرت أن والده (المختار بن حامدٌ، رحمه الله) كان جديرا بعدة جوائز ضخمة من بينها زيادة الأغراض الشعرية، لكنه لم ينلها ولا هو ترشح لها!
لقد امتعضت قلة من الشعراء قديما وحديثا من دوران الشعر وفق أغراض محددة ومحدودة لا يخرج عنها، وكان من بين المنادين بالتجديد الشيخ سيدي محمد بن الشيخ سيديا رحمهما الله.
وطرق شعراء معدودون باب هجر الشعر على استحياء وقصر نفس. وأحيانا من باب الإغراب لا غير.
المختار بن حامدٌ في داليته “أم المطالع” جعل من هجر الشعر غرضا من أغراض الشعر، واتخذه مدخلا إلى التجديد والإبداع وإعادة النظر.. تجلى ذلك من عدة وجوه في الشكل والمضمون.
في الشكل جاء بقصيدة تزيد على مائة بيت يسهل تفكيكها إلى عدة نصوص كل منها مستقل بذاته مشعر بالابتداء والانتهاء:
1. ألا أدِّ التحية لو تؤدي ** حقيقة لاعج الوجد الأشد..
2. أعار إن نزحت جمام عِدِّي ** عليَّ أو ان ندبت رسوم دعد..
3. دعاني ناصح من أهل ودي ** وود أبي ليرشدني ويهدي..
4. مشت بيني وبين الشعر هندي ** وهندي أملح الشفعاء عندي..
وفي المضمون جاء بالفخر والنقد والتشبيب والمدح والذم وغيرها، ولكن الجديد أنه ساق حوارا مع زاجر ونقاشا مع داع حول الموقف الأصوب من الشعر: تركه أم طَرْقُه، وخلص لفظا إلى تركه:
فما في الشعر تنوير لقلبي ** وما في الشعر تنوير لِلَحدي
وأما بعد فهْو فراق بيني ** وبين الشعر بين نوى وُبعد
فقولي مثل ما قد قلته لي ** لمن يأتي من الشعراء بعدي
بينما خلص واقعيا إلى التمسك به دون النزول في المهاوي والمزالق:
فقله وصفْ به قمري وليلي ** وغصني وجنتي فرعي وقدي
إلى أن يقول:
وقل حكما وقل عبرا ونصحا ** لعلك صوب نهج الرشد تهدي
وقله به على الفضلاء تُثني ** لحق الفضل لا استجداءَ مُجْد
ولا تتعدَّ هذا الحد فيه ** فأكثر ما عدا هذا تَعَدّ
ولا تفقد به ماء المحيا ** وجلباب الحيا عن ذاك عَدِّ
وكن للصدق فيه أخا تحرٍّ ** فإن أخاه منصور ومهدي
وقل منه الرقيق وقله عذبا ** وأسهل فيه لا تُجبل وتُكدِ
ولا ترمِ الرواة به عويصا ** فتصميهم بكل أصم صلد
وترمِي القوم في القاموس عوما ** فإن العوم في القاموس مرد!
ومن أحسنها قوله:
وإني إن أُعدِّ عن القوافي ** لأمرِ الناصحين بأنْ أُعدي
فعُطلت الحسان وكنتُ قدما ** أُحليهنَّ من نظمي بعقد
لواجدُ فقدها.. يا ليت شعري ** أواجدة قوافي الشعر فقدي؟!
وما أروع المقابلة وغيرها من الأساليب في قوله على لسان محبوبه:
وصف ما فيَّ غنجٍ ودَلٍّ ** وصف ما فيك من وَلَهٍ ووجد
وصف مسراكَ في البيداء نحوي ** وصف مسرايَ إذ أنحوكَ وحدي
وصف واندب معاهديَ اللواتي ** عهدتَ على الكثيب بهن عهدي
وصف جر الروامس كل ذيل ** بهن الأبردين وكل برد
وما عَفَّين من أثر وعين ** وما أبقين من نؤي ووَدِّ
وصف بانَ الكثيب يميس ميسا ** كميس بنات سيرَ به وهَدِّ
وقله وصف به الأظعانَ تُحدَى ** وقلهُ وصف به الوجناء تخدِي
وصف غيبوبة الظعن الغوادي ** ضحى في الآل يخفيها ويبدي..
تكاثرت الظباء.. ما أكثر الجيد والممتاز والآسر والمؤثر في هذه القصيدة اليتمية! كم بها من ناحية تحتاج وقفة خاصة بها!
أتعبتكم وأخشى أن أكون أثقلت عليكم.. أستأذنكم في الانصراف الآن.
بديه أغفاليت


