ثقافة

هذا الجيل – يستحق القراءة

هذا الجيل ..
في هذا الصباح وأمام واحد من مراكز البكالوريا كنت موجودا
كنت اتابع جموع الشباب المتجمهر أمام بوابات الدخول إنهم جيل اليوم تأملت المشهد
ولعل اشد ما شد انتباهي فيه غرابة التسريحات المنتشرة بين صفوف هذا الجيل
مثلثات ومربعات واقواس متوازية
وجوه يغطيها الشعر حتى تبدو كحيوان ” غرير العسل ” ورؤوس ينحسر فيها الشعر في رقعة صغيرة اعلى الهامة وكأن مرضا عضالا أتى على الأخضر واليابس فيها
لبعض الوقت خيل لي المشهد عرضا دعائيا لمشتلة متحركة
شجر الصنوبر والصفصاف والعسجد..
افقت من غيبتي لأتذكر ان تحت تلك المشتلة رؤوسا بشرية وأشخاصا لكل منهم فهمه للحياة
إنهم يرون أنفسهم جيلا مستنيرا يدرك ما لا ندرك ويفهم ما لا نفهم
تخيلت بحسرة كيف يتعايش بعض الآباء مع مثل تلك الظواهر في بيوتهم لا شك انهم عانوا ..

عادت بي الأيام لصيف سنة 1988 وتحديدا يوم مشاركتي في البكالوريا
يومها لم يرافقني احد كنت اخطو لربيعي 18 خرجت من المادة الصباحية وكنت مضطرا للمقيل قرب المركز لحضور المادة المسائية لذا لم يكن امامي إلا صاحب حانوت من أبناء العمومة
جلست القرفصاء على قطعة من ” الكرتون ” كانت قطة المتجر لعوبة فجعلت مني لعبة لها ..في الواقع قد يكون المشهد برمته أقرب للعبة كبيرة
لم يمنعني عناء المكان ولا مجون قطة المتجر من المرور سريعا على مذكرة المساء بتركيز وتمعن كبيرين
وتخيلت المفارقة ..
في غرفة مكيفة يجلس مراهق هذا الزمان بحوزته المراجع وإلى جانبه كتيبة من الأساتذة لتعويضه ما فاته في الفصل وامامه جهاز ذكي مربوط بالشبكة
يطلب المعلومة بلمسة اصبع خفيفة
ويتلقى الدرس حيثما شاء زمانا ومكانا
في تلك اللحظة كانت سيارة فاخرة تتوقف أمام المركز نزل منها رجل يبدو خمسينيا ومن الجانب الآخر نزل مراهق بملامح ارستقراطية يونانية يبدو متبرما من كل شيء فقد وصل الإشباع حدوده القصوى ‘ كانت تقليعة شعره غاية في الغرابة..يبدو أنها موضة الإنسان البدائي
المراهق رغم آثار النعمة البادية عليه يبدو كإنسان خرج من الغابة للتو ذاك ما يوحي به شعره الثائر المتناثر وثيابه التي تبدو رثة رغم جدتها وفخامتها إنها شطحات الموضة
ذكرني ذلك بتلميذ لي درسته في المرحلة الابتدائية وجمعتني معه الاقدار بعد ذلك في المهجر كل منا كان طالبا وقتها..
كان تلميذي يستخدم اقراطا في اذنيه واساور في معصميه غير انه كان يتفادى استخدام حليته امامي احتراما لمعلمه السابق لكن ولأكثر من مرة اصادفه في الشارع بكامل عدته ..
اصبح تلميذي الغريب الآن دبلوماسيا مرموقا في عاصمة دولة مهمة
ادركته عناية الله ..
مازالت القطة تمارس معي لعبة الكر والفر وكؤوس الشاي التي سقانيها ابن العم تبدو ساخنة اكثر من اللازم ، السائل الداكن يبدو اقرعا في الكؤوس فلا وقت لدى الرجل لصنع رغوة لا يرى لها فائدة ..مع ذلك كانت كؤوسه لذيذة منعشة
كنت اخطو لوحدي في لجة من التحديات لا أحد يمسك بيدي او برجلي كنت اتحرك وفق قواعد الفيزياء الطبيعية وحدي من احدد صعودي وسقوطي كان صعودا حرا وسقوطا حرا
كان الاخفاق كما النجاح أمرا عاديا يمكنني التكيف معه الف مرة
لم يكن السقوط بالنسبة لي وقتها يمثل حافة الحياة او نهايتها فوقتها لم يكن بعبع ” الحالة النفسية ” للمراهق مطروحا كما هو الآن ..
كان جيلا هادئا يتقبل اقداره بإيمان عميق
خارج المركز ينتظر مراهق اليوم استقبالا صاخبا احدهم يفتح له باب السيارة والآخر او الأخرى تهش في وجهه وتناوله بعض المرطبات وهناك في المنزل ينتظره فراش وثير وطعام شهي وحمام جاهز ..
جاءت ” الجيرة ” أخيرا فنزل الرجل عن عرشه الخشبي وتناوبنا غسل اليدين خارج المتجر بواسطة مغراج يعلوه الصدأ..
كانت وجبة من الأرز والسمك وكانت القطة ثالثتنا بعد ان اخذت وضعية اكثر جدية وغيرت سلوكها وتعالى مواءها
اخذت بعد الظهر قيلولة قصيرة اخذتها وانا جالس
فجغرافية المكان لا تسمح لك بغير رقعة شطرنجية صغيرة تتحرك فيها تصلي فيها وتتناول طعامك وايضا تاخذ فيها غفوتك بدأت رحلة المساء للمركز الذي يبعد مسافة لا تقل عن ثلاث كيلومترات سيرا على الأقدام..
خرجت النتائج وكنت من بين الناجحين في أول مشاركة ..
كان نجاحا دون انترنت ولا دروس تقوية وكان نجاحا رغم الظروف واستهتار القطة وبعد الشقة.

من صفحة محمد مني غلام على الفيسبوك


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى