ثقافة

ظرافات وظرفاء (67) الأستاذ/ محمدو سالم ولد جدو

في عام 1988 اشتريت متجرا للتجزئة في إحدى مدن الداخل سعيا إلى حفظ كرامتي المادية والمعنوية، وعملت فيه أحيانا وعمل فيه غيري معي أو بمفرده، وبقي في ملكي عدة سنوات. وأثناء وجودي به ربما تردد علي بعض الراغبين في التعلم حسنا لظنهم ولخلو الميدان من العلماء الحقيقيين، أو ندرتهم في أحسن الأحوال.
من بين المترددين شابان من سكان وسط البلاد درسا علي التصريف والعروض، أحدهما الآن يحتل مرتبة دينية مهمة، أما الثاني فلم ألقه منذ 20 سنة ولم أجد خبرا عنه. درس الشابان ما أرادا ثم قل ترددهما علي لانشغالهما بدرهم المعاش، ويبدو أنهما دلا علي رجالا محترمين من أهل ولاية محترمة أخرى ووصفا لهم مكاني.
كان القانون العرفي السائد في تلك الأيام يقضي بأن يستريح العامل من الظهر إلى المغرب ويعمل رب العمل في تلك المدة، وبينما كنت ذات مساء “أُسَقِّط” ولج علي أربعة رجال دعوتهم – بعد السلام- إلى الدخول، فترددوا فكررت الطلب فظلوا على ترددهم بعدما نفضوا أرجاء المحل بأعينهم كأنما يبحثون عن شيء ما، ثم اعتذروا مكتفين بالقول إنهم يريدون لقاء “الأستاذ” فقلت لهم إن ما يقولونه يبلغه بإذن الله، فقالوا إنهم يريدون الدراسة عليه، وبناء على ذلك يريدون تحديد مبلغ عادل للأجرة ووقت مناسب، قلت لهم: إنه عادة لا يأخذ أجرة على مثل مطلبكم، وغالبا يكون هنا طيلة المساء، فودعوا شاكرين وانصرفوا.
عادوا عصر الغد فدعوتهم إلى الجلوس فلم يفعلوا، وتكرر الأمر عدة أيام كلما وجدوني ولوا على أدبارهم دون أن يمنحوني فرصة لإفهامهم أن من يبحثون عنه قريب.
كنت في الخامسة والعشرين من عمري وكانت الصورة النمطية التي يحملونها عمن سيدرسهم أنه شيخ مسن، لذلك لم يجدوني إلا رجعوا من حيث أتوا. وفي أحد الأيام كنت أسير في السوق فإذا بأحدهم – وكان من أهل محلات بيع الجملة- يناديني بأسلوب مستفز فعدلت إليه مسلما فأوسعني لوما على عدم صحة قولي، وختم بالقول إن لديهم ما يشغلهم عن السير كل يوم لتكون النتيجة أن يجدوني أنا! وطلب مني بحزم تحديد الوقت الذي يلقون فيه “الرجل”.
أصغيت إلى الرجل حتى أفرغ شحنته ثم قلت له: ماذا أقول لك! والله لأنا أشد أسفا على قول الباطل، ومع ذلك فهو لا يبرح المتجر في العادة من صلاة الظهر إلى صلاة المغرب. ثم انصرفت تاركا إياه في حيرته.
عاد القوم مساء اليوم نفسه أو تاليه فاطمأنوا إلي هذه المرة ودرسوا ما أرادوا، واستمر حالهم على ذلك فترة. وعلمت أنهم استوضحوا من دلهم علي ملامح الشخص فلم يعدُني في وصفه.
كان مؤنبي أكثرهم مواظبة وجدا في الدراسة، ولم يرفع إلي وجهه – رغم أنه أسن مني- طيلة المدة التي أمضاها يتردد علي خجلا مما بدر منه.


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى