ثقافة

لكي نفهم الأدب (26) الأستاذ: محمدو سالم ولد جدو

رغم أن الذكور من الشعراء أضعاف عدد الشواعر فإن النسبة تنعكس إذا نظرنا إلى إنتاج الجنسين في رثاء الأزواج! فدواوين الشعر العربي حافلة بمراث بعضها مؤثر يتبجس ألما وأسى حاكتها نساء مفجوعات في أزواجهن، كقول الجيداء بنت زاهر الزبيدية (جاهلية) في بعلها القتيل:
يا لقومي قَد قرّح الدمعُ خدّي ** وَجَفاني الرّقادُ مِن عظمِ وَجدي
كانَ لي فارس سقاهُ المنايا ** عبد عبس بجوره والتعدّي
بَدْرُ تمٍّ هَوى إِلى الأرضِ لمّا ** رَشَقته السهامُ مِن كفّ عبدِ
ورماني من بعد أنصار جندي ** في هموم.. أُكابدُ الوجدَ وحدي
يا قَتيلا بكت عليه البواكي ** في جبالِ الفلا وفي أرض نجد
كان مثل القَضيب قدًّا ولكن ** قدّه صرفُ دهرهِ أيّ قدِّ
يا لقومي من يكشف الضيم عني ** ويراعي من بعد خالد عهدي!
وتكثر النصوص من هذا القبيل في رثاء البعول؛ ولكن عدد المراثي في الزوجات أقل بكثير، ولا يخلو من استحياء ربما كان جرير قد عبر عنه بقوله:
لولا الحياء لهاجني استعبار ** ولزرت قبرك والحبيب يزار
ومن جيد القصيدة قوله إثر المطلع:
ولقَد نظرتُ وما تَمَتُّعُ نظرةٍ ** في اللحد حيث تمكن المِحفارُ
فجزاك ربك في عشيرك نظرةً ** وسقى صداك مجلجل مدرار
وَلَّهتِ قَلبي إذ علتني كَبرة ** وذوو التمائم من بنيك صغار..
ولا أجد تفسيرا منطوقا للأثر الذي يخلفه البيت الأخير في نفسي!
وكأنما رأى جرير من الإسراف إفراد قصيدة لرثاء امرأة مهما كانت مكانتها منه ورزؤه فيها وما يعلمه من حميد خصالها، فحباها بما يزيد قليلا على ربعها (23/ 82) ثم انتقل إلى حلبة صراعه المزمن فقال:
أَفَأُمَّ حَزْرة يا فرزدقُ عِبتُمُ؟ ** غَضِبَ المليك عليكم القهار!
من السهل تحديد السبب؛ فالمرأة كائن حساس مرهف الشعور؛ بينما تبتلع خشونة الرجال المصائب والآلام، وأغلبهم يرى في رثاء زوجه ضعفا وخورا لا يلائم الرجولة؛ بل إن أكثرهم لا يحسن رثاء النساء أصلا، ولو غير أزواجه! وإذا تكلفه تسرب التشبيب من حيث لا يشعر! ألا ترى المتنبي – وهو مَنْ هو- يقول في رثاء والدة سيف الدولة:
صلاة الله خالقنا حنوط ** على الوجه المكفن بالجمال
فقيل: ما له ولهذه العجوز يصف جمالها؟! أيرثيها أم يتغزل بها!


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى