ثقافة

لكي نفهم الأدب (39) الأستاذ: محمدو سالم ولد جدو

في العصر الجاهلي قال امرؤ القيس:
فَعادى عِداء بين ثور ونعجة ** دراكا ولم يَنضح بماء فيغسل
وتكرر هذا في شعره، وورد في شعر علقمة الفحل وغيره.
– وفي صدر الإسلام قال أبو دهبل الجمحي (ت 63هـ):
خرجت بها من بطن مكَة بعدما ** أَصاتَ المنادي بالصلاة فأعتَما
فما نام من داع ولا ارتدَّ سامر ** من الليل حتى جاوزت بي يلملما
.. إلى آخر رحلته الضوئية.
– وفي منحدر العهد العباسي الأول قال المتنبي (ت 354هـ):
إذا وطئت بأيديها صخورا ** يفئن لوطء أرجلها رمالا
وقال:
عقدت سنابكها عليها عثيرا ** لو تبتغي عنقا عليه لأمكنا.
مرت هذه الأمثلة والكثير من أشباهها بنقاد القرون السابقة دون تخطئة ولا تسفيه؛ لأنهم يرونها شعرا، ولعلمهم أن الشاعر امرؤ يحوم في آفاق الخيال المجرد وليس شاهدا على واقعة مادية ولا راسما لخريطة محسوسة ولا بائعا لمادة تجارية حتى يلزم بقوانين الحس الجامد.
خلف من بعد أولئك خلف ممن ضاقت بهم مجالات المعرفة ولفظتهم الاختصاصات فنصبوا أنفسهم نقادا دون أن يميزوا بين الحي واللي، واعتسروا الشعر محاولين إخضاعه لمعاييرهم وإيلاج جمله في سم خياطهم الصدئ! فكانوا كمن تصدى بمكيال الفحم لقياس الكهرباء.
لم يفهموا الشعر ولم يفهموا قصورهم عن فهمه..
وجهل الجهل داء معضل!
أغلبية النقاد المعاصرين ذوو أثر تدميري يبدأ من عقول ضحاياهم المتلقين ولا ينتهي بالبيئة المتلفة في إنتاج أوراق سخافاتهم المسماة كتبا، والطاقة المهدرة في إسماعها وطبعها وسحبها وتوزيعها.
لو رفع هؤلاء إلى القاضي عبد الوهاب بن نصر لحكم بتنكيلهم! كيف لا وهو القائل:
قطعتُ الأرض في شهري ربيعٍ ** إلى مصرٍ وعدتُ إلى العراق
فقال لي الحبيب وقد رآني ** مشوقاً بالمضمرة العتاق:
ركبتَ على البراق؟ فقلت: كلا ** ولكني ركبت على اشتياقي!


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى