
فتوى أ(أنت بائن) الشيخ سيد أحمد ولد سيدي الخليل (أبو سهلة)
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على النبي الكريم.
الموضوع: فتوى في قول الزوج لزوجته أنت بائن يريد طلقة واحدة.
أما بعد فقد سألني حبيبنا الفقيه اللغوي البارع الشيخ التاه بن اليدالي سؤالا قال لي فيه إنه أتاه رجل يستفتيه عن شيء مفاده أن زوجته كتبت له اليوم أنها تريد منه الطلاق ولا تطيق البقاء معه ولا تريده وكانت بذلك مازحة محاكية ما يسمى “كذبة إبريل” ولم تخبره بذلك إلا بعد جوابه حيث استشاط غضبا من طلبها مستغربا له وقال له: أنت بائن لا تحلي إلا بعقد..
فلما أخبرته الخبر ندم وجاء مستفتيا فقال له الشيخ التاه انتظر حتى أسألك لك فلانا يقصدني فاتصل علي فلم آخذه لأنني كنت في مجلس التكريه، ثم اتصل بي بعد ذلك بقليل وقص علي القصة وقال إن المعنيين مازالوا معه ينتظرون الجواب على هذه النازلة فقلت له مازحا النوازل ما يحاسن بيهم..
المهم أنني قلت له مبدئيا ليس عندي في المسألة إلا ما تعرفه فيها من نص “خليل” على أن “بائن” ثلاث في المدخول بها ولا ينوى، ولكن ما دام قال لك إنه كان يقصد بها واحدة ويفهم من معنى كلامه أن إنشاء الطلاق ليس تاما ولا مقصودا إذ جاء ردة فعل فكأنها قال لها أنت بائن إذا صدر منك هذا الكلام أو كنت تقصدينه فعلا..
فدعني أنظر القرافي ففيه تحقيقات في ألفاظ الطلاق قد تنفعه، فنظرت القرافي فما خذلتني الإحالة وما خانتني الذاكرة بفضل الله تعالى؛ فاتصلت بالشيخ التاه مخبرا له بأن الإنقاذ ممكن فقها وأن القرافي كان كما عهدته، فقال لي: اكتب لي الفتوى فإن قلمك مبارك..
وهو كلام يسر ولا يغر..
وحاصل الفتوى في هذه المسألة أن “بائن” ليست صريحة في الثلاث لا لغة ولا شرعا، وإنما الذي جعل الفقهاء يحكمون عليها بالثلاث لأن أعراف بلادهم كانت كذلك أي تجعلها ثلاثا ولا شك أنك لوسألت اليوم أحدا من أهل بلادنا عن دلالة “بائن” على الثلاث عند مجتمعنا لما وجدت من يخبرك بذلك سواء كان فقيها أو عاميا وعليه فينبغي أن تخضع هي وغيرها من ألفاظ الطلاق غير الصريحة إلى ما نواه بها صاحبها الناطق بها طالما لم يكن هناك عرف بدلالتها على عدد معين.
ولله در الإمام المازري حيث يقول مؤطرا لهذه المسألة وكاشفا أصلها:
(وأصل اختلاف الأصحاب ـ يقصد أصحاب مالك ـ في الألفاظ أن اللفظ إن تضمن البينونة والعدد نحو أنت طالق ثلاثا لزم الثلاث ولا ينوي اتفاقا في المدخول بها وغير المدخول بها، أو يدل على البينونة فقط فينظر هل تمكن البينونة بالواحدة أو تتوقف على الثلاث إذا لم تكن معارضة فيه خلاف أو يدل على عدد غالبا، ويستعمل في غيره نادرا فيحمل على الغالب عند عدم النية وعلى النادر مع وجودها في الفتوى وإن تساوى الاستعمال أو تقارب قبلت نيته في الفتوى والقضاء فإن عدمت النية فقيل يحمل على الأقل استصحابا للبراءة الأصلية، وقيل على الأكثر احتياطا..)
هذا الكلام للمازري عمقه القرافي تعميقا جميلا ونظر له تنظيرا مبهرا حيث يقول:
(..وكذلك جميع ما ذكر من ألفاظ الطلاق فحينئذ إنما تصير هذه الألفاظ موجبة لما ذكره مالك – رحمه الله – بنقل العرف لها في رتب:
أحدها أن ينقلها العرف عن الإخبار إلى الإنشاء.
وثانيها أن ينقلها لرتبة أخرى وهي زوال العصمة بالإنشاء الذي هو إنشاء خاص..
وثالثها أن ينقلها العرف إلى الرتبة الخاصة من العدد، وهي الثلاث فإن زوال العصمة أعم من زوالها بالعدد الثالث فهذه رتب ثلاث لا بد من نقل العرف اللفظ إليها حتى يفيد اللفظ الثلاث .
فهذه الرتب التي أشار إليها الإمام أبو عبد الله المازري – رحمه الله – بقوله إما أن يكون اللفظ يفيد البينونة أو البينونة مع العدد أو أصل الطلاق.
غير أنه قد بقيت في القاعدة التي أشار إليها أغوار لم يفصح بها، وهو يريدها؛ وهي أمور:
أحدها أن هذه الألفاظ عرفية لا لغوية، وأنها تفيد بالنقل العرفي لا بالوضع اللغوي.
وثانيها أن مجرد الاستعمال من غير تكرر لا يكفي في النقل بل لا بد من تكرر الاستعمال إلى غاية يصير المنقول إليه يفهم بغير قرينة.
ويكون هو السابق إلى الفهم دون غيره..).
فبائن في قطرنا حسب اطلاعي إنما تفيد عرفا المرتبة الأولى من مراتب المازري وهي أصل الطلاق فلا هي تفيد عددا معينا ولا هي لا تفيد شيئا، وعليه فما دام العرف لا يفيد الثلاث، والشرع لا يقبل البينونة في المدخول بها إلا بالثلاث أو بالخلع فلم يبق إلا أن تكون طلقة رجعية نوى صاحبها البينونة جهلا بأن البينونة محددة من قبل الشارع.
وعليه فالذي يظهر لي أن قول الزوج لزوجته “أنت بائن’ ـ ناويا بها طلقة واحدة بائنةـ أنها طلقة رجعية منعها العرف من الوصول إلى الثلاث ومنعها الشرع من أن تكون بائنة كما نواها، فلم يبق إلا أصل زوال العصمة أي الطلاق وهو رجعي في المدخول بها.
نعم يحسن بهذا الشخص أن يعقد على زوجته احتياطا.
وأختم هذه الفتوى بثلاثة نصوص للقرافي تحذر من الفتوى بمقتضيات هذه الألفاظ العرفية عند تبدل العرف ولو قالها مالك أو غيره؛ حيث يقول:
التص الأول.
(..وإياك أن تقول إنا لا نفهم منه إلا الطلاق الثلاث؛ لأن مالكا – رحمه الله – قاله أو لأنه مسطور في كتب الفقه؛ لأن ذلك غلط بل لا بد أن يكون ذلك الفهم حاصلا لك من جهة الاستعمال والعادة كما يحصل لسائر العوام كما في لفظ الدابة والبحر والرواية فالفقيه والعامي في هذه الألفاظ سواء في الفهم لا يسبق إلى إفهامهم إلا المعاني المنقول إليها فهذا هو الضابط لا فهم ذلك من كتب الفقه فإن النقل إنما يحصل باستعمال الناس لا بتسطير ذلك في الكتب بل المسطر في الكتب تابع لاستعمال الناس فافهم ذلك).
النص الثاني:
ثم يقول:
(إذا تقرر ذلك فيجب علينا أمور:
أحدها أن نعتقد أن مالكا أو غيره من العلماء إنما أفتى في هذه الألفاظ بهذه الأحكام؛ لأن زمانهم كان فيه عوائد اقتضت نقل هذه الألفاظ للمعاني التي أفتوا بها فيها صونا لهم عن الزلل،
وثانيها أنا إذا وجدنا زماننا عريا عن ذلك وجب علينا أن لا نفتي بتلك الأحكام في هذه الألفاظ؛ لأن انتقال العوائد يوجب انتقال الأحكام..
وإذا وضح لك ذلك اتضح لك أن ما عليه المالكية وغيرهم من الفقهاء من الفتيا من هذه الألفاظ بالطلاق الثلاث هو خلاف الإجماع، وأن من توقف منهم عن ذلك ولم يجر المسطورات في الكتب على ما هي عليه بل لاحظ تنقل العوائد في ذلك أنه على الصواب سالم من هذه الورطة العظيمة فتأمل ذلك).
النص الثالث.
ثم يقول أيضا:
(ومن الأغوار التي لم ينبه عليها الإمام أبو عبد الله المازري أن المفتي إذا جاءه رجل يستفتيه عن لفظة من هذه الألفاظ وعرف بلد المفتي في هذه الألفاظ الطلاق الثلاث أو غيره من الأحكام لا يفتيه بحكم بلده بل يسأله هل هو من أهل بلد المفتي فيفتيه حينئذ بحكم ذلك البلد.
أو هو من بلد آخر فيسأله حينئذ عن المشتهر في ذلك البلد فيفتيه به، ويحرم عليه أن يفتيه بحكم بلده..
فهذه قاعدة لا بد من ملاحظتها وبالإحاطة بها يظهر لك غلط كثير من الفقهاء المفتين فإنهم يجرون المسطورات في كتب أئمتهم على أهل الأمصار في سائر الأعصار، وذلك خلاف الإجماع وهم عصاة آثمون عند الله تعالى غير معذورين بالجهل لدخولهم في الفتوى وليسوا أهلا لها ولا عالمين بمدارك الفتاوى وشروطها واختلاف أحوالها.
فالحق حينئذ أن أكثر هذه الألفاظ التي تقدم ذكرها ليس فيها إلا الوضع اللغوي، وأنها كنايات خفية لا يلزم بها طلاق ولا غيره إلا بالنية وإن لم تكن له نية لم يلزمه شيء حتى يحصل فيها نقل عرفي كما تقدم بيانه فيجب اتباع ذلك النقل على حسب ما نقل اللفظ إليه من بينونة أو عدد أو غير ذلك فهذا هو دين الله تعالى الحق الصريح والفقه الصحيح).
وفعلا هذا هو الذي يظهرلنا أنه دين الله الصريح والفقه الصحيح.
وكتبه مفتيا به:
سيداحمد بن سيدي الخليل.
#ملحوظة:
الصورة من #مجلس_اركيز وفيها صاحب النازله الل كالعها بذراعو اعكاب الليل ههه.
من صفحة أبو سهلة سيد أحمد



