
رمضان كما عشته (23) الأستاذ: محمدو سالم ولد جدو
في عام 1982 جاء العاشر من يوليو بعد منتصف رمضان 1402هـ، كان وقتها عيدا رسميا يطغى على ذكرى الاستقلال الوطني التي تمر دون ضجيج يذكر، وكأنها تسرع الخطى لتعبر عالم الفراغات والأوهام الجوفاء..
كانت قبضة الحاكم شديدة ولا أحد يدري ما يفعل الله به، وكان عمري على الأرض قد ناهز التاسعة عشرة، بينما تجاوز العشرين على الورق استعجالا لتجاوز سن القصور إلى الرشد القانوني، وكنت طالبا متعاونا مع الإذاعة التي لم تكن إلا رسمية آنذاك. وأذكر أن أغلب نشاطي بها كان في قطاع البرامج، وإن كنت أعمل أحيانا في تحرير الأخبار عند الاقتضاء.
كان اليوم السبت، وكنت قد أُشْعِرْتُ مساء الجمعة (وقتها كانت العطلة الأحد) بأن عليَّ الحضور صباحا إلى قسم الأخبار. وقد ألغي معظم الجانب الرسمي من الاحتفال في تلك السنة تضامنا مع ضحايا زلزال ضرب مدينة الأصنام الجزائرية قبيل ذلك.
كان أغلب المادة المذاعة نقلا مباشرا لأنشطة رسمية وشعبية بأماكن مختلفة من العاصمة أظن منها افتتاح السوق المركزية في شكلها الحالي وتدشين سوقي تيارت والسبخة، ومع تقدم الوقت بدا المسؤول عن التحرير قلقا وهو يكتشف أن الموجز الولفي الذي دأبت الإذاعة على بثه منتصف النهار إثر صنوه العربي (12.05) لن يمكن بثه ذلك اليوم (رغم حساسية ذلك) نتيجة خطأ ارتكبه – هو أو غيره- حين وجه من يفترض أنه قارئ الموجز المذكور إلى مقاطعة الميناء (أو السبخة) التي يتأخر بها النشاط الاحتفالي باليوم المشهود.
كنت قد أقمت بالسنغال ثلاثة أشهر من سنة 1977 في زورة علاجية يتيمة (حتى ذلك الوقت) عدت منها باللهجة الولفية بلكنة “والْ والو” فاستهواني تقديم الموجز لأسباب لا علاقة لها بما أقلقَ مسؤول التحرير فأعربت له عن استعدادي لتقديمه، ولكنه أعرض، فأعدت القول، فاعتذر بعدم وجود الموجز على الورق، فلم أر في الأمر مشكلة وقلت له: يكفيني النص العربي! وواصلت الإلحاح إلى أن وافق (أو لعله أراد التخلص من إزعاجي) فرافقني إلى استديو البث المباشر وبمجرد خروج قارئة الموجز العربي أخذ نصه من يدها وسلمني إياه ولسان حاله يقول: “هاك.. مَذَ وَرَّيتني!” دخلت بهدوء، وضعت النص العربي أمامي ورتبت عناصره ترتيبها المفترض ثم حييت “الإخوة المستمعين” (سونو انبكي يي انيودگلو) وبدأ لساني يترجم ما تراه عيناي..
كنت أرفع رأسي بين الفينة والأخرى أثناء القراءة (كالعادة) فأرى الرجل من وراء الزجاج متنصب القامة مع المهندسة وكأنه مستعد لتلافي ما قد ينتج عن تصرفي. ومع أنه لا يفقه شيئا يذكر مما أقول فقد كانت أساريره تنفرج كلما تقدمت في القراءة (أو الترجمة) وفي النهاية بدا مرتاحا – بل ممتنا- بعد ما كان متوترا في البداية.
بعد سنوات تطرق الحديث إلى الموضوع فسألته عن مبعث ارتياحه يومها وهو لا يعرف هل أوقعه في ورطة قد يصعب عليه الخروج منها، فقال لي إن السبب كان الفراسة؛ فمنظري أثناء التقديم أوحى له بأني على ثقة مما أقوم به، وعند ما أسمع تسجيل الموجز مختصين في وقت لاحق أكد له بعضهم جودة أدائي واقتصر البعض على تأكيد سلامته.
لي مع اللهجات الوطنية مواقف طريفة ربما أسعف الوقت بذكر بعضها.
