
مجلس آشكيك/ العلامة سيد أحمد سيد الخليل
#مجلس_اشگيگ .
قبل سرد حديث مجلس اشگيگ – وهو حديث غير موضوع ولا ضعيف؛ بل يتردد بين الصحة والحسن – وجمال اشگيك – وهو جمال غير مجلوب بتطرية.
حسن الحضارة مجلوب بتطرية@
وفي البداوة حسن غير مجلوب –
أبدأ بمرافعة ضدي؛ مقتضاها:
لماذا تسافرون من لعيون أمس بعد صلاة الصبح يوم الجمعة؛ وأنتم الذين تدعون الفقه أو يدعى لكم؟!
وخليل يقول في مكروهات الجمعة ” وسفر بعد الفجر وجاز قبله وحرم بالزوال”
والجواب أننا لم نسافر من لعيون؛ وإنما أنشأنا السفر من تمبدغة؛ وكان يوم الخميس:
وسفر الخميس هو الافضلُ@
إلا فالاثنين وإلا فاجعلوا @
الايام كلها لمن أنشاها @
عز وجل لم تروا أذاها @
أما “لعيون” فكانت محطة عبور لم نحل فيها قصرا ولا حزاما..
نعم حططنا فيها الرحال كما يفعل الحجاج مع المزدلفة فأبرقنا إلى نجد؛ ولوِّحنا للحجاز..
أما وقفة اشگيگ فكانت بسبب أن حبيبنا فضيلة الدكتور أباي محمد محمود قد عزم علينا ألا نمر على “اشگيك” إلا أتيناه طائعين؛ وكنا في الذهاب منعنا ضيق وقت الاجتماع الإداري في لعيون من تلبية رغبته؛ غير أنه كلمني في تمبدغة معتبرا أن ما حصل مَطْلٌ و”مرط” ولم يُجْد معه “البيان والتبيين” وقال: إن الحل يكمن في أن نمر عليه في حال الإياب؛ وكاد يستعمل معنا القوة العمومية بما فيها “حكمة اشگيگ” التي لا يكاد ينجو منها “صالح” ولا طالح..
فوافقتُ تلبية لرغبته وتشوقا لمجالسته؛ وكان جمال الأرض شافعا؛ ومطر انواكشوط دافعا…
وما هي إلا ثلاث ساعات من لعيون حتى استوينا على جوديّ “اشگيك” مبسملين في الركوب والمَرسى؛ ومعلنين تجربة لا تُنسى..
استقبلنا الدكتور أباي بوجهه الباسم وأريحته المعهودة؛ أما عن “لحسان” فلن أقف عنده طويلا فهو تحصيل حاصل؛ وكلام غير مفيد؛ تماما “كالسماء فوقنا والارض تحتنا”.
ولكن ما لفت انتباهي هو حرصه أن يكون ذلك بيده؛ إمعانا في التواضع؛ ومبالغة في حسن الملاطفة؛ وسترونه في الصورة حاملا “الشكوة” يصب لنا منها اللبن.
كان المجلس كبيرا وأديبا.. تكلمنا فيه عن الجمال والأدب؛ وعن الفقه والأصول… إلا السياسة فلم نتكلم عنها.
أشار الدكتور بيده إشارة وسطى إلى جهة محظرة العلامة الورع الحاج ولد فحفُ – رحمه الله – ثم أشار إشارة قربى إلى جهة محظرة العلامة أحمد فال ولد أحمدنا – رحمه الله – ثم أشار إلى رَبع خالٍ ورسمٍ دارسٍ جنب منزلهم العامر قال إن الفنان الشيخ ولد آبه – رحمه الله – كان يضرب خيمته فيه؛ وكانت الناس تأتيه فيه لكي “يگبظ لهم الهول”!!!
فأرجعني خمسمائة كيل إلى تمبدغة حيث كان الخال يستثني من “السماع” سماع الشيخ ول آبه؛ فكان – ونحن صغار – لا بدّ له في الليالي المقمرة من شريط منه إن لم تأت به الإذاعة..وفي تلك الفترة لا “جزيرة ” ولا “عربية…”
ولعل فكرة استثناء الخال للشيخ ول آبه من “السماع ” ترجع إلى:
1- كون صوته الجميل والشجي كأنما ينحدر من صبب تناسقا وهدوءا..
2- أو لأنه يذكره بحلة أولاد سيدي الوافي حيث ترعرعا معا وشبا عن الطوق هناك.
3- أو لأنه “ابياظ الاذن” في مرحلة من مراحل العمر.
4- أو لأنه مذهب حجازي يقتفيه الخالُ الحاج لبيت الله الحرام؛ المولع بتلك البلاد المقدسة.
ثم إن الدكتور ذهب معي إلى والدته الكريمة لأسلم عليها.. فكانت الحفاوة والترحاب..
فلما صام النهار كان هناك رعد وبرق… فقالت الوالدة – عن طيب نفس وتحسين ظن – “إلين جان فلان دور اتجين اسحاب” فقلتُ لها: أرجو الله تحقيق ذلك وأن تكون نهارية لا ليلية؛ وكان ربّي بي حفيا فما إن اقترب العصر حتى ضربنا هتونٌ مبارك وصيِب نافع؛ تواصل هطوله حتى دخل وقت المغرب فأمست الأرض حدائق ذات بهجة؛ وغدا العشب في اخضرار ونضرة..
ثم أخذنا في الفقه والتعليل؛ والمقاصد والتأصيل؛ ومبحث العام والخاص؛ وتنقيحات القرافي وتهذيبات الشاطبي من ذوي الاختصاص؛ وهذا واد كثير الزرع؛ مُدرّ الضرع..
فلما توقف المطر بدا نسيم عليل يستدعي إقامة “الذهبي: الشاي المسائي” – أتاي اعگاب انهار –
فأمرتُ السائق – دون علو أو استعلاء
وليس عند جل الاذكياء @
شرط علوّ فيه واستعلاء – بأن يتولى هذه المرة مهمة “تعدال أتاي” حتى يستريح الأهل ونشاهد طقوسه أمامنا؛ وقد استوفى هذا الأتاي أركانه وجيماته الثلاثة؛ وأعدّ على “فرنه” لتحقيق جيم “الجمر” ولم يعدّ على الغاز..
وما هي إلا لحظات حتى دخل وقت المغرب وأصرّ الدكتور أباي على أن أؤمه في منزله؛ فقلتُ له: هذا خلاف الأصل – كما تعلم – وإذا كنتُ قبلتُه لك في صلاة العصر حتى لا تجرنا للإتمام – “وتبعه”- فلن أقبله لك في صلاة المغرب الذي يستوى فيها المسافر والمقيم..
فلما انتهينا من الصلاة بدأ الدكتور يريد تحويل الحديث عن الأدب وموسم الخريف إلى الفقه والأصول – وانَ راصي لِيّن – وكان الدكتور كأنه يدافع عن الدليل والاستدلال؛ وكنتُ كأني أدافع عن الفقه والفقهاء…
والاهتمام بالدليل نزعة مشرقية نعترف لأهل المشرق بها ونغبطهم عليها؛ وتنتقل عدواها لكل من أقام فيهم أو جاورهم من المغاربة بدءا بأبي الوليد الباجي والقاضي أبي بكر بن العربي..وانتهاء بالدكتور أباي…
1- بدأ الدكتور حديثه قائلا:
لا أدري علة كراهية الفقهاء لإمامة المسافر للحاضر؛ وأستغرب نقص الأجر الذي يتحدثون عنه في هذه الحالة؟!
فقلتُ له: لعل العلة مخالفة المأموم للإمام نيةً وفعلا حين يقتدي المقيم بالمسافر ؛ وقد قال صلى الله عليه وسلم: إنما جعل الإمامُ ليؤتم به..
ومخالفة المسافر لسنة القصر حين يقتدي بالمقيم لأنه يلزمه حينئذ الإتمام؛ كما قال خليل: (وإن اقتدى مقيم به فكل على سنته؛ وكره كعكسه وتأكد وتبعه”.
وحين يتبع المسافرُ المقيمَ ستفوته سنة القصر..
وقد قال صلى الله عليه وسلم في قصر الصلاة: “تلك صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته”.
فقال لي: ممتاز – وظهرت أمارات الرضا على وجهه – ولكن على الفقهاء: أن لا يقولوا بالكراهة إلا بدليل..
فقلتُ له: صحيح؛ ولكن هذه كراهة مذهبية استنتجت من عمومات؛ وتزول بأدنى سبب؛ والفقهاء يدركون ذلك؛ ولهذا نص شراح المختصر عند نص خليل المتقدم أن محل الكراهة مالم يكن الإمام أفقهَ أو أسنّ أو رب منزل؛ وإلا فلا كراهة؛ وهو ما عقده بعضهم بقوله:
إمامة الحاضر بالمسافرِ@
مكروهة كعكسه فاستبصرِ@
ما لم يكن أفقه أو أسن أو @
رب لمنزل فكرهها نفوا.
2- ثم قال لي الدكتور: وكذلك أستغرب على الفقهاء إبطال الصلاة دون دليل؛ بل بمجرد الاجتهاد؛ مع العلم أن بطلان الصلاة يكاد يكون محصورا في حديث المسيء صلاته…؟!
ومثّل للبطلان المبالغ فيه بنص الفقهاء على بطلان الصلاة بالنفخ عمدا؛ وجعله كالكلام!
فقلتُ له: الفقهاء هنا أقرب إلى مقاصد الشرع في الصلاة وأدنى إلى سدّ ذرائع الإخلال بها؛ وقد قال صلى الله عليه وسلم: “إن في الصلاة لشغلا” ولم يحرم الكلام عمدا في الصلاة إلا لإخلاله بمقاصدها وتفويتها لمصلحتها من خشوع ومراقبة لله تعالى؛ ومن هنا حكموا بأن الكلام عمدا مبطل للصلاة؛ وجعلوا النفخ عمدا مثله لاشتماله على معناه من شغل عن الصلاة وبعد عن روحها؛ ولو لم يحرم النفخ عمدا في الصلاة وتُبطل به لرأيت الناس في موسم الصيف والخريف كُلّا ينفخ على جنبيه جلبا للهواء.
فالفقهاء بذلك يريدون المحافظة على مدلول قوله صلى الله عليه وسلم: “صلوا كما رأيتموني أصلي”.
والنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يتكلم عمدا في الصلاة ولا ينفخ فيها عمدا؛ فالفقهاء إنما أبطلوا الصلاة في هذه الحالة حرصا منهم على أن يأتي المصلي بأقرب مثال لصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فاتضح أن الفقهاء في هذا أقرب إلى الأصل وإلى المحافظة على هيئة الصلاة؛ وسدّ ذرائع الإخلال بها..
فقال لي: سدّ الذرائع أستحسنه في العقيدة؛ أما العبادات فأستحسن فيها التيسير.
فقلتُ له: العبادات بنت العقيدة أو أختها الصغرى؛ ولهذا كان مالك يرى أن الأصل في العبادات: التفات الشارع إلى الألفاظ والمباني؛ وفي المعاملات التفاته: إلى المقاصد والمعاني.
وقد حقق الإمام الشاطبي ذلك بأوفى عبارة وأتم تدقيق.
فقال لي : صحيح؛ وقد أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
فقلتُ له: نعم؛ ذكره في مجموع الفتاوي؛ الجزء 20 في مسألة تفضيل مذهب مالك وأهل المدينة على غيرهم.
3- ثم قال لي: ومما أستغربه على الفقهاء: توليد المسائل والقياس على القياس…
فقلت له : أما توليد المسائل فقد يفرضه الواقع؛ وأما القياس على القياس فمن محاسن مذهب مالك:
إذا مَحَاسِنيَ اللاّتي أُدِلُّ بِهَا@
كانَتْ ذُنُوبي فقُلْ لي كَيفَ أعتَذرُ.
فبالقياس والتخريج ينمو الفقه وتتفتق أزهاره؛ ويستوي على سوقه…
ولو اقتصرنا في الفقه على ظواهر النصوص لأظهرنا الشريعة قاصرة وهو خلاف الواقع والحقيقة.
وقد أجاب الإمام ابن رشد الجد في المقدمات عن مسألة القياس على القياس وأصّلها شرعا ومنطقا.
4- ثم قال لي: وكذلك أستغرب أن الفقهاء حين يُحرّمون أو يُحللون أو حتى يبطلون الصلاة كثيرا ما يعتمدون على عمومات دون أن يكون هناك نص في المسألة؛ ملوّحا أن هذا قد يكون من عيوب الاستدلال.
فقلتُ له: العمومات هي أغلب نصوص الشرع؛ والنصوص – بالمفهوم الأصولي – عزيزة بل تكاد تكون معدومة؛ لذلك فما فعله الفقهاء هو الصواب؛ وقد دافع الإمام الشاطبي عن العمومات منتقدا قول الأصولييين إن دلالة العام على جميع أفراده ظنية؛ ومنتقدا قولهم إن العمومات بعد تخصيصها تَضعُف دلالتُها؛ معتبرا أن في ذلك توهينا للأدلة؛ إذ العمومات هي معظم الشريعة.
وقد انتصر الشاطبي بالحجة والبرهان؛ لمذهب أبي حنيفة النعمان؛ القائل إن دلالة العام على جميع أفراده قطعية؛ لا ظنية فقط.
وقد أشار في المراقي إلى هذين المذهبين بقوله في باب العام:
وهْو على فرد يدل حتما @
وفهم الاستغراق ليس جزما@
بل هو عند الجل ذو رجحانِ@
والقطع فيه مذهب النعمانِ
5- ثم قال لي: أستحسن لطلبة العلم وللفقهاء أن يطلعوا على كتب ابن حزم حتى تتزعزع بعض مسلِماتهم.
فقلتُ له: “ادور اتشيّن صنعتهم ههه” ابن حزم عالم أديب؛ وكاتب أريب؛ ومذهبه الأدبي أحبّ إليّ من مذهبه الفقهي؛ ولكن بالنسبة للمالكية:
في طلعة البدر ما يغنيك عن ابن حزم – حتى لا أقول عن زحل – ففي بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد الحفيد؛ وكُتب الحافظ ابن عبد البر ؛ والقاضي أبي بكر بن العربي .. ما يكفي ويشفي من الدليل والاستلال.
وذكرتُ له أن بداية المجتهد ما هو إلا تلخيص للاستذكار لابن عبد البر؛ وضع عليه ابن رشد بصمته العقلية التنظيمية.
وانتهى مجلس الشاي؛ وكانت تلك أهم الاستشكالات – أو الإيرادات – التي أثارها الدكتور أباي؛ وكانت هذه إجابتي عنها أو محاولتي ذلك.
وصدق القرافي حين قال: الاستشكال علم.
ثم قال الدكتور: انتوم لاهِ تتعشاو باش؟
– وكان هذا من أيسر أسئلته واستشكالاته ههه – فقلت له : “باسِ ولْبَنْ”.
ثم خلدنا إلى النوم؛ فالعاشرة في الداخل تساوي الثانية فجرا في انواكشوط.
فلما صلينا الصبح ذهب الدكتور إلى “كامور” وأتى بالفطور؛ ثم دخل علينا قائلا:
من إكرام الفقهاء طرح النوازل عليهم؛ والحريم- النساء – عندهم نازلة مفادها:
هل يجوز أخذ بول البقر دون استئذان أهله من أجل جعله في الوطاب: “الشكوة”؟!
فقلتُ له: إن كان هناك تبويل أي تسبب من الآخذ في البول فلا يجوز إلا بإذن؛ وإن لم يكن هناك تبويل وإنما رأى بقرة تبول فأخذ بولها فالظاهر الجواز لثلاثة أمور:
1- أن الإذن العرفي في مثل هذا كافٍ؛ وهو متحقق.
2 – أن الفقهاء نصوا على أنه يجوز التعدي عند علم طيب نفس المتعدى عليه بذلك:
أما التعدي فهْو جائز إذا@
علم طيب نفس ربه بذا.
وربما في حديث أكل الثمر الساقط من الأشجار ما يدل على ذلك.
3- أن هذه المسألة فيها رائحة حقوق الارتفاق – وإن اختصت تلك بالعقار وما اتصل به- وحقوق الارتفاق يقضى بها وجوبا أو ندبا.
ثم ذكرتُ له أن هذا البول يملك كعسيب الفحل؛ وأن أبوال مأكول اللحم مستوفية شروط المعقود عليه عند المالكية.
ثم غادرنا إلى انواكشوط تحت رذاذ المطر؛ وفي الجو الجميل؛ وفوق الأرض المستبشرة.
#ملحوظة:
يجوز أن نسمي هذا الحوار: “الرادرات الكاشفة عن أسئلة اشگيگ الخاطفة” كنوع من التخليد لتلك البلدة الكرام أهلُها.
طبعا كان هذا المجلس قبل سنتين كما لا يخفى؛ وقد تكرر اليوم.