غزل أهل إكيد (الجزء الثاني) يعقوب اليدالي
الميزة الأولى
التورية عن اسم المغزل بها
يختلف الشعراء في ذكر أسماء المقصودات بشعرهم، فمنهم من يستعير للمغزل بها اسماً خيالياً كسعاد وأدد… يكون سهل اللفظ متماشياً مع روي القصيدة وقافيتها، وقد أشار إلى ذلك مالك بن زغبة الباهلي بقوله:
وما كان طبي حبها غير أنه
يقام بسلمى للقوافي صدورها
وقد يصرح بعضهم في شعره باسم إلفه مراراً وتكراراً حتى تصير علماً بالغلبة عليه ككثير عزة، وجميل بثينة، و قيس ليلى، وغيرهم.
وقد لاحظت بعد قراءتي للنصوص الغزلية أن شعراء أهل إكيد سلكوا طريقاً وسطاً بين النوعين، فلا يلقبون النساء بأسماء مستعارة، ولا يشهرون بهنَّ، ولكنهم يستخدمون أسلوب التورية، بحيث يقحم الشاعر اسم المعنية في النص من خلال سياق آخر، قد تم التقديم له سلفاً فلا ينتبه – من ليس لديه إلمام بحيثيات الموضوع – إلى تصريحه بالاسم.
وتمكن هذه التورية الشاعر من تفادي التصريح باسم إلفه، كما تضيف نكتة جديدة إلى النص تزيد من قيمته الأدبية.
وإليكم نماذج من ذلك:
أجاد الأستاذ الأديب محمد فال بن عبد اللطيف في التورية عن اسم امرأة تدعى “الشِّيَّ” عن طريق الاقتباس القرآني الموفق في قوله:
إن الجماعة إذا جئتها
أنظر قاصيها و دانيها
فإن تكن صفراء لا شية
فيها فإني لست آتيها
وفي نفس السياق القرآني ورَّى الشيخ الأديب المختار بن حامد عن اسم سيدة سنغالية تدعى “ياسين” وذلك حين قال:
ياسين ترتيلها جزء من الدين
لا ينبغي الزهد في ترتيل ياسين
ياسين أنظرها شزراً وتنظرني
وذلك القدر تاهم عن كافين
كما أجاد أيضا في التمويه على اسمي سيدتي بقاس “خيرا” و “آمنة” عندما ساق سُماهما في سياق آخر فقال:
لقيت شيخاً ببقاس وعا فئة
يا ليتني زرت ذاك الشيخ ثانية
حتى ترى النفس من لقياه آمنة
شراً و لاقيـة خيرًا وعافية
وأقحم الشاعر المبدع المختار بن ميلود بن المصطفى بن محم سعيد اسم “الزغم” في تأكيده على زيارة الشيخ والد بن خالنا فقال:
زر والداً إن كنت ذا حاجة
تنل من الرحمان فضلاً سما
واحذر من الزغماء إن زرته
فآفـة الزائر أن يزغما
أما الشيخ الأديب سيد محمد بن عبد الرزاق فقد وظف اسم “الشفا” توظيفاً بديعاً في أبياته التالية:
كنا نظن غيود اللهو قد ذهبت
عنا وما خلفت من بعدها خلفا
لكنه من يجئ للجنك ذا كَفَسٍ
من دائه سيجد فيها الشفا وكفى
الميزة الثانية:
بروز الخلفية العلمية والثقافية للشاعر
من الميزات الجميلة لشعراء الثقافات العالمة عموماً، وأهل إكيد على وجه الخصوص، بروز خلفياتهم العلمية والثقافية بين تفاعيل نصوصهم الشعرية، ولم يشكل غزلهم استثناء من القاعدة، فقد ظهر جلياً في مقطوعاتهم الغزلية امتلاكهم لناصية العلوم المحظرية، ورغم الطابع الجدي لتلك العلوم فقد نجحوا في توظيفها في الشعر الغزلي الهزلي دون أن تؤثر على عفوية الشاعرية، و قوة السبك، و جودة المعاني، و سلاسة الألفاظ.
أشار الأديب الأريب المختار بن حامد إلى اختلاف ألسنة الشعوب و أزيائهم، وإلى حادثة الإفك الشهيرة في أبياته التالية:
و حسناء تات المرص لابسة ترك
تزيت بزي الروم والفرس والترك
تبرأت من حسنا سواها أزورها
براءة أم المـؤمنين من الإفك
كما أثارت الفُغرتان الكبرى والصغرى – والفغرة بضم الفاء فم الوادي- أحاسيس الأديب المصقع ابوه بن لسياد، فورى عن ذلك بمصطلح فقهي يأتي به الفقهاء عند الحديث عن حض الصائد الجارح بعد انبعاثه للصيد بنفسه من غير إرسال من بدء، قال الشيخ خليل في مختصره: “أو أغرى في الوسط”.
تذكرت من ليلى الترائب والثغرا
من الفُغرة الكبرى إلى الفُغرة الصغرى
وأغراك في هاتين عرفان رسمها
وأغرى بك الذكرى وفي الوسط الإغرا
أما الشاعر المجيد محمد يقوى بن أحمد ميلود فقد جعل من اقتناصه لغفلات إلفه مدعاة للتفكر في حسن خلق الله والتدبر في صنعه فقال:
مروا بنا على ابنة الباقر
ذات البها والمنظر الباهر
لعلنا في بعض غراتها
ننظر صنـع المتقن القادر
وقد خاف الشاعر عبد الله بن بيدح على نفسه من إشارة بيضاء السوار، فصرف نفسه عنها من شدة خوفه من كيدها فقال:
وبيضاء السوار لها خضاب
بتفـجير الدماء من الــقلوب
أشارت لي فقلت لها ذريني
أخاف على الضعيف من الذنوب
أما الشاعر المفلق أبو مدين الغوث فقد اكتشف حجة جديدة تقوى موقف القائلين بقبض اليدين في الصلاة فقال :
صلاة فـتاة الحي بالقبض للفرض
تزهد في سدل اليدين بلا قبض
و من يك صلى الفرض بالسدل بعدما
رءاها تصلي قد تهاون في الفرض
ويبدو أن الشاعر الأديب الأفظل بن زياد الأبهمي ذكر مريم قائماً وقاعداً وعلى جنبه حتى خشي أن تؤثر على خشوعه في صلاته فقال:
إن لله در هذي الفـتاة
جعلـتني مضيعاً للصلاة
في سجودي أقول مريم ومريم
في ركوعي ومريم تحياتي
كما وظف الشيخ الأديب محمد فال بن عبد اللطيف الجحفة التي قدمت عليها “صفية” إلى مدبنة روصو في السبعينات، في التورية عن ميقات الجحفة الذي يحرم منه حجاج الشام ومصر وأهل المغرب فقال:
صفية تسلب لب الفتى
وتـترك الجاهل كالعارف
و بالمدينة لها جحفة
وكم لها في البيت من طائف
وقد أحسن الشاعر الألمعي محمد بن أحمدونا الفاضلي في توظيف مطالعة إلفه لشرح الشيخ حماد المجلسي على نظم عمه البدوي للغزوات فقال:
غزاني بجند الشوق ظبي رأيته
يطالع “حماداً على الغزوات”
حمدت إلـهي إذ غزاني بجنده
وما كنت حماداً على الغزوات
أما الشيخ الأديب محمد بن امُّو الأبهمي فقد ذكرته رؤيته لصغيرة تحت خيمتها تلهو بألعابها، بنظره في كتب أهل الكلام فقال:
رأت عيني غزالاً في نساء
على “الأوزار من أهل السنوسي”
وقفت له أطالعه طويلاً
مطالعة الغزالي والسنوسي
أما الشاعر السري يقوى بن أحمد ميلود، فقد أشار في بيتيه إلى أن ليت من حروف التمني وقد أجاد في رد العجز على الصدر :
ليت أني وليت حرف تمني
وأنا اليوم بين ظن ورن
والغزال الأغن مني بعيد
كنت من جيرة الغزال الأغن
كما وظف العالم الأديب أحمد سالم بن اليدالي الملقب دداه بن محمذن بن زين بن أواه بن محمد اليدالي، عبارة “الأمر ينقص بعد التمام” التي تحمل دلالات فلسفية عميقة، وغالبا ما تستخدم للإشارة إلى أن كل شيء في الدنيا إذا بلغ الحد انتهى، فقال:
ألا يا قلبُ مالك لست تسلو
عن آمنةٍ خصوصا ساعةً ما
ولم تنقص شجونك من هواها
لأن الأمر ينقص حيثُ تمّا
و يبدو أن الشواهد النحوية لم تسلم من غزل أهل إكيد، فهاهو الشاعر المجيد أحمد بن الداهي الفاضلي ينبهنا إلى محل الشاهد في أبياته التالية:
يشهد ربي وهو خير شاهد
أن الجمال خيرها بوشاهد
و مريم هـي عليه شاهدي
وشاهدي هو محل الشاهد
الميزة الثالثة:
ورود أحداث تاريخية في النص
يبدو من خلال نص القاضي أحمد سالم بن سيد محمد أنه قيل في خضم الحرب العالمية الثانية، وما صاحب أتونها من نقص في اللباس والغذاء والدواء:
إن أمش فوق ثنايا الخط في مهل
أجر “حولي” و حولي بنت معلوم
فما أبالى بما جر الزمان على
قومي وما نابهم من نوب الروم
كما تشير أبياته التالية إلى ظاهرة انتجاع خلا المراعي، و قد أجاد في قوله “أيا اللهم”، الذي أشار ابن مالك إلى ندرة ورودها في القريض:
أيا رب إن الزهر مطلبها شطا
ولا وصل منها دون أن تنزل الخطا
فإن كان قحط السهو يدني مزارها
فأرسل أيا اللهمَّ للسهوة القحطا
أما نص الشيخ الأديب المختار بن حامد فيعرفنا على الأسرة التي كانت مكلفة من طرف أمراء اترارزة بتحرير تراخيص استغلال سبخة انتررت:
صاح قل للفتاة بنت إعيش
هل لها في مرابط درويش
والتمس لي كتاب ملح لديها
كتب الملح عند بنت إعيش
في حين يضعنا الأديب الشاعر المختار بن محمدا في جو تحضيرات زيارة رسمية قام بها الرئيس المختار بن داداه إلى قرية “احسي المحصر” في الستينات فقال:
يقام الحفل في حي الأمير
بشكل مستطـيل مستدير
فتنظيم الرجال له مثير
وتنظيم النسا فوق المثير
الميزة الرابعة
استخدام الشعراء لأسلوب ازريكة في الغزل
مزج شعراء أهل إيكيد شعرهم الفصيح بعبارات وأمثال من اللهجة الحسانية، وهي ظاهرة عرفت في ما بعد ب “ازريكة” ويعتبر الشيخ الأديب امحمد بن أحمد يورَ أحد فرسانها المجلين، وقد لاقت النصوص المشوبة بالحسانية استحساناً لدى الجمهور لابتعادها عن التعقيد، واشتمالها على خصائص موروث مجتمع البيظان، وسرعة حفظها من طرف العامة.
وسنختم المقالة بنماذج من استخدام ازريكة في غرض الغزل:
يقول لمرابط امحمد بن أحمد يورَ وقد أجاد كعادته في تطويع الأمثال الحسانية:
و لما أحست الوصل من أم مالك
فررت بحبلي قبل أن يتصرما
وما ذاك إلا عن صحـيح فراسة
وشيء على رأس اللسان تكلما
أما الشاعر المجيد يقوى بن أحمد ميلود فقد قرر البقاء عند “العرش” بغض النظر عن قرار أترابه ترك “العزيب” فقال:
لعمرك والعشاق تعذر لا أمشي
عن العرش ما دام العزيب لدى العرش
وذلك يا أحـباب ذلك قدره
فمن شاء فليقعد ومن شاء فليمش
وفي ذات السياق، يأتي توظيف الأديب المصقع ابوه بن لسياد لعبارة معروفة في السياق الحساني هي “صلبة موناك” للتعبير عن الأحاسيس والمشاعر التي أثارتها لديه رؤية العزيب.
إن ترم في هذا “العزيب” مناكا
تصلبن صلبة الفتى “موناكا”
فيه بيض أوانس بهكنات
ينثنين الغصون ثنيا هناكا
وقد أجاد الشيخ الأديب المختار بن حامد في توظيف مفردات ازريكة التي جاءت متناغمة مع الفصحى في قوله:
توت ابنة اعلي التي شفتها
ما فشني منها الذي شفته
وما خفى و الخير ظني به
ما شفـته لو شفته قلته
وقد وفق الأديب الشاعر محمذن بن ابَّبَابَ في الجناس التام بين المفردة الحسانية والفصحى، كما أجاد في رد العجز على الصدر فقال :
أضنى الفؤاد و زاده وجدا
صرم الحبيب و قوله “أبدا”
يبدي ويخفي من محاسنه
لله ما أخفى وما أبدى
أما الشاعر المجيد محمد بن سيد أحمد الفاضلي فقد تناول في أبياته غرض “المكف” المعروف عند شعراء البيظان:
لئن تصبحي يا مي عريانة دخنا
علـيك طريف أغبر اللون ما يهنا
ففيك عن الغيدات معنى مشاهد
وهل يستطيع الصبر من شاهد المعنى
كما وظف الأديب أحمدُّ بن اتاه بن حمين كلمة من اللهجة الولفية توظيفاً بديعاً و ذلك في قوله:
أقول وقد مرت على مقلتي حسنا
تمـيس كأغصان نواعم قد مِسْنا
تحاكي بذاك الميس لبـنى لعلها
تصيد قلوب المولعين بها ” دَسْنَا”
وقد أتحفني الشاعر المطبوع المقبول بَلِّ بن دِيدِ رحمه الله بأبيات له في هذا الغرض جعلتها ختاماً مسكاً لهذه المقالة وهي:
عشقتك حتى صرت لا أخرج الكبَّا
فتباً لهـذا الحُـبِّ تباً له تبَّا
فلا أنا بالمحبوب أصبحت ظافراً
وذا الحب صرت اليوم أسربه حبَّا

