
في مدينة أطار، وقف الرئيس محمد ولد الغزواني، حيث وقف الرئيس المؤسس المختار ولد داداه قبل 69 عامًا، أي نفس العام الذي ولد فيه ولد الغزواني، قبل استقلال البلاد بثلاث سنوات.
استحضر غزواني السؤال: (ما هي موريتانيا التي نريد؟)، ثمّ أضاف سؤالًا آخر من عنده: (إلى أين نسير؟).
تابعتُ كثيرًا من التعليقات والمقالات حول هذا الاستحضار، وكانت في كثير منها تميل إلى الضحك والنكتة والسخرية النافدة، حتى تساءل بعضهم:
رئيس يحكم منذ سبع سنوات… ولا يعرف إلى أين نسير؟!
طبعًا كانت النكتة وجيهة، ولكنها تعكسُ قراءة كسولة جدًا.
القادة وصُناع القرار – مهما اختلفنا معهم – فهم حين يسألون لا يبحثون عن إجابة، وإنما يمهدون ويلمِّحون، وعلينا البحث عن إجابة مدفونة بين علامات الاستفهام.
إن تصريحات صانع القرار، مهما بدت سطحية، هي في جوهرها نافذة صغيرة على ما يدور في رأسه، وعلى ما تفكرُ فيه الدائرة الضيقة من حوله.
لذا فإن سؤال أطار، لم يكن استفهامًا، بقدر ما كان إعلان نوايا في صيغة سؤال.
…
لا شكَّ أن الجميع يدركون مدى صعوبة معرفة ما يفكر فيه الرئيس، فمنذ سبع سنواتٍ ونحن نحاول أن نفهمه دون أن ننجح في ذلك.. حتى استقر عندنا اليقين بأننا لن نعرفه، ما دامَ يرفضُ أن يعطينا بعضًا من ملامح طريقة تفكيره.
من السهل الهروب نحو التبسيط المخلِّ، بالقول إنه نائم أو غير مدرك لما يجري من حوله، أو أنه غارق في أمور بعيدة عن ممارسة السلطة.. هذه تفسيرات مريحة لأنها تعفينا من مشقة التفكير والتحليل، ولكنها في الغالب بعيدة من الحقيقة.
…
لقد استوقفني حديث الرئيس، في أطار، عن النظام المؤسسي، الذي شيدناه في الماضي، وسؤاله إن كان ما يزال متماشيا مع واقع وحاجات اليوم، ثم حين ربط ما بين إصلاح النظام المؤسسي والوحدة الوطنية واللحمة الاجتماعية!
هل ينوي الرئيس، أو فريقه السياسي، تقديم تعديل دستوري لجلسات الحوار، هدفه الأساسي حل المعضلة الاجتماعية والشرخ بين فئات المجتمع، من خلال إصلاح النظام المؤسسي؟ ما هو جوهر الفكرة التي جعلتهم يربطون بين الغبن الاجتماعي والمؤسسات؟
ولعل السؤال الأهم: ما الذي في المؤسسات يهدد الوحدة الوطنية؟ وما شكل النظام المؤسسي الذي سيحميها؟
…
وأنا أستمعُ لخطاب الرئيس، قفزت إلى ذهني عدة احتمالات، أولها أنه يفكرُ في نظام “إنصاف” قائم على التمييز الإيجابي، وثانيها نظام “محاصصة اجتماعية”… حتى لا نقول عرقية.. الأول قد يرمّم الشروخ، والثاني قد يؤسس لشروخ أعمق.
وسط هذه الاحتمالات، هنالك شيء واحد مؤكد: الرجل يفكر في شكل جديد للدولة، يجعلها – في نظره – أكثر قدرة على الصمود أمام تحديات الداخل، وتقلبات السياق الإقليمي والدولي.
ربما الشكل الجديد للدولة، هو ما تراه السلطة مخرجًا من مضيق 2029، ذلك الفخ الذي يخشاه الجميع، وحتى الآن لم تطرح فكرة واحدة لتفاديه.
…
نحن مقبلون على مغامرة، ستبدأ مع انطلاق جلسات الحوار، قد تحملُ معها كثيرًا من الأشياء المفيدة للدولة، ولكنها تنطوي على مخاطر مستترة.
هذه المغامرة تشبه كثيرًا ما خضناه في المرحلة الانتقالية 2005 – 2007، لكن السياق مختلف تمامًا.
آنذاك، كانت الديمقراطية والحرية هي المطلب الأول للموريتانيين، بعد عقدين من الديكتاتورية، أما اليوم فهي مكاسب وليست مطالب.
اليوم، يعيش الموريتانيون أوضاعًا مختلفة، ويطلبون أشياء بديهية جدًا، ولكنها صعبة: حرب حقيقية على الفساد، الأمن والعيش الكريم، ثم تأتي الديمقراطية.
…
أختم بالقول إنَّ سؤال الرئيس “إلى أين نسير؟” لم يكن اعترافًا بالتيه، بقدر ما كان أول المعالم التي يضعها على الطريق.
ومن هُنا، علينا بدل أن نسأل إن كان الرئيس يعرفُ حقًا إلى أين نسير، أن نسأل أنفسنا: هل نعرف نحن إلى أين يريد أن يأخذنا؟
خمْ بعد.. فم ياسر من شي ما هو متواجه لي بعدْ



