
نازلة فقهية من وحي التراث! – يستحق القراءة
نشر العلامة محمد فال بن عبد اللطيف في مجموعة “معلم”:
فرع فقهي من وحي التاريخ:
إنْ أكل المغصوبُ ما مِنه غُصِبْ*** بَرئ غاصبٌ وذا حكمٌ وصَبْ
على الذي نصَّ عليه المختصرْ*** من دون تقييد على ذاك اقتصَرْ
ومَن شَوَتْ لضيفِها نَعلَيْهِ*** فقدَّمَتْهما قِرًى إليهِ
تَلزمُها القيمةُ في الذي ظَهَرْ*** إذْ لا يُوافقُ مقالَ المختصرْ
إذْ لم يكنْ مِن عادةِ الرجالِ*** ولا النساءِ الأكلُ للنِّعالِ
وكونُها إذْ بالرحيل همَّا*** قالتْ له: إنهما لثَمَّا
ليس بإقرارٍ له إذْ ربَّما *** يقولُها الشخصُ لِمَا لم يَعلَما
[وصَب؛ أي: ثبَت ودام].
وهو يشير حفظه الله إلى قصة الديمانية التي استضافها رجل ولم تجد ما نصنع له منه طعاما، فنظرت فوجدت نعليه من جلود بقر الوحش، قشرتهما وقطعتها وصبت عليهما السمن، وقدمتهما له في القِرى، فأكل حتى شبع وحمد الله تعلى ودعا لها، ثم سأل عن نعليه فقالت له: “ألا فم” وأرسلتها مثلا..
وعلَّق عليه محمد يحيى ابن حريمو قائلًا:
ومقتضى الذي الدُّسوقيُّ نقَلْ*** يُحَطُّ عنها قدرُ ما الضيف أكَلْ
مِنَ الذي يَأكُلُه في العادهْ ***طِبْقًا بلا نقصٍ ولا زيادهْ
وبالبقيَّة عليها يرجع **** والشرعُ في ذاك هُوَ المتبَّعُ
مِن قيمةٍ خُصَّتْ بها النعالُ*** “والشأنُ لا يُعترَضُ المِثالُ”
هذا إذا ما وقَع اختيارَا*** إلَّا فَلا، ولوْ زَقا وطارَا
وعلَّها خشِيَتِ البَوارا*** عليه فاشتَوَتْهما اضطِرارَا
فأبدعتْ في حُسنِ الاحتيالِ*** وتُكرَمُ الأضيافُ بالنِّعالِ
فلمْ يكنْ له إذَنْ كلامُ*** ولا على ظريفةٍ مَلامُ
فهْيَ كضيفِ الراعِ حيثُ نحَرا*** قَلوصَهمْ وفي الصَّباحِ كفَّرا
فعاضَه مُرتضِيًا مُعتذِرَا*** عنها “ثنيةً ونابًا في القِرى”
وهْيَ لَعَمري عوَّضَتْه طِرفهْ*** إذْ ما لَها مِن “صَيدحٍ” أو خَلْفهْ
والاشارةُ بقول الناظم: «ومقتضى الذي الدُّسوقيُّ ذكَر» الخ.. هي إلى ما ذكَره في الحاشية مِن أنَّ الغاصبَ إنْ أطعَمَ المغصوبَ ما ليس مِن عادته أنْ يأكلَه كطعامٍ بتسعةِ دراهم، وعادتُه أنْ يأكلَ بدرهمين -رجَع عليه بالزائدِ على قيمةِ أكلِه المعتاد؛ فيُؤخَذ مِنه أنَّ آكلَ نعليه يَرجعُ على مضيفتِه بما زادَ على قيمةِ أكلِه المعتاد.
والإشارةُ بقول الناظم: «فهي كضيفِ الراعي..» إلخ.. إلى القصةِ المذكورةِ في قول الراعي:
عجبتُ مِنَ السارين والريحُ قَرَّةٌ…
وحاصلُها أنه نحَر قلوصَ ضيوفِه ليلًا بسبب غيابِ إبلِه، وفي الصباح جاءَ راعي الإبل بها، فعَوَّضهم عن ناقتِهم ناقتين: نابًا كناقتهم، وثنيةً زيادةً عليها، وقال في ذلك:
فَلَمّا أَتَونا فَاشْتَكَينا إِلَيهِمُ*** بَكَوْا وَكِلا الحَيَّينِ مِمّا بِهِ بَكى
بَكى مُعوِزٌ مِن أَن يُلامَ وَطارِقٌ*** يَشُدُّ مِنَ الجوعِ الإِزارَ عَلى الحَشا
فَأَلطَفتُ عَيني هَل أَرَى مِن سَمينَةٍ**** وَوَطَّنتُ نَفسي لِلغَرامَةِ وَالقِرى
فَأَبصَرتُها كَوماءَ ذاتَ عَريكَةٍ*** هِجاناً مِنَ اللاتي تَمَتَّعنَ بِالصُوى
فَأَومَأتُ إيماءً خَفِيّاً لِحَبتَرٍ*** وَلِلَّهِ عَينا حَبتَرٍ أَيُّما فَتى
إلى أن يقول:
كَأَنّي وَقَد أَشبَعتُهُم مِن سَنامِها*** جَلَوتُ غِطاءً عَن فُؤادِيَ فَاِنجَلى
فَبِتنا وَباتَت قِدرُنا ذاتَ هِزَّةٍ*** لَنا قَبلَ ما فيها شِواءٌ وَمُصطَلى
وَأَصبَحَ راعينا بُرَيمَةُ عِندَنا*** بِسِتّينَ أَنقَتها الأَخِلَّةُ وَالخَلا
فَقُلتُ لِرَبِّ النابِ خُذها ثَنِيَّةً*** وَنابٌ عَلَينا مِثلُ نابِكَ في القِرى
انتهى..
تنبيه كانت هذه المحاورة قبل نحو ثلاث سنوات في مجموعة “معلم” التابعة لمجلس اللسان العربي بموريتانيا..
من صفحة الكاتب والبحث: محمد يحي احريمو

