
رمضان كما عشته (28) الأستاذ: محمدو سالم ولد جدو
العاشر من رمضان 1393هـ والعاشر من رمضان 1438هـ..
وقد يتقارب الوصفان جدا ** وموصوفاهما متباعدان!
في العاشر من رمضان 1393هـ (06/ 10/ 1973م) شبت الحرب بين إسرائيل الغاصبة والدول العربية المعتدى عليها في عقر دارها، المجروحة في وجدانها.
تحركت الجيوش فعبرت تحصينات العدو سعيا للتخلص من الخنجر المسموم الذي غرسته بريطانيا في قلب الأرض المقدسة وتكفلت الولايات المتحدة بهزه وتعميق طعنته. وجُرد سلاح النفط من غمده فأبلى بلاء غير مسبوق.
ثارت العواطف من مسقط إلى انواكشوط التي أفردت الصدارة لأنباء المعركة “بين قواتنا وقوات العدو الإسرائيلي” زهاء ستين يوما، ثم انكشف الغيب عن عجائب ليس أقلها بُعد ما يتلقاه المواطن العربي من الأنباء عن حقيقة المعركة، وبُعد الشقة بين ضمائر الشعوب ومواقف قادة الخط الأمامي من حكامها، وإن لم تصل وقاحتهم يومئذ إلى الجهر بمواقفهم الممالئة للعدو، ولو فعلوا لجُرُّوا أذلاء في الشوارع.. فلعلها غريزة التمسك بالحياة.
تواصلت في تلك المعركة الأخطاء والخطايا الإستراتيجية والخُلقية والعسكرية والسياسية التي عرفتها سوابقها؛ بل بزيادة، ومن الأمثلة وضع الصراع في دائرة عنصرية (العرب) وهو ما أقصى ملايين المسلمين المستعدين للدعم والتضحية، المعنيين بالأمر أصالة كالمسلمين من العرب، بينما كانت الحرب دينية على جبهة العدو لدرجة إشراف الحاخامات على التفاصيل الدقيقة حتى الترخيص في طبخ اللحم أيام السبت! (مذكرات يائيل دايان).
مع ذلك قذف الله الرعب في قلوب العدو ورعاته، فأقامت الولايات المتحدة أكبر جسر جوي في تاريخها لإمداد ربيبتها المذعورة بما يهدئ روعها، وقطع كيسنجر مسافات ضوئية ذهابا وإيابا للتخذيل عن بني جلدته والحد من الذلة والمسكنة المضروبتين عليهم.
في العاشر من رمضان 1438 هـ (05 /6/ 2017م) استيقظنا على حلقة جديدة من المشهد المهين: قادة أذلة على الكافرين أعزة على المؤمنين، بأسهم بينهم شديد، قد ترى جثثهم جميعا لكن قلوبهم شتى. ورؤى مريضة انقلب الشريف فيها إلى إرهابي والغاصب إلى شريك، فصار الحصار والمقاطعة للأول والأمن والدعة للثاني! الأشقاء يتهارشون برعاية وتوجيه أمريكيين، وإسرائيل تتفرج من مأمنها والأمر على ما نرى جميعا، والحلقات تترى!
فالله أخر مدتي فتطاولت ** حتى رأيت من الزمان عجائبا.
إني صائم..


