ثقافة

ظرافات.. وظرفاء (7) / الأستاذ: محمدو سالم ولد جدو

قبل زهاء ثلاثين سنة عشت برهة متقطعة من شبابي في إحدى مدن الشمال وتعرفت على نخبة من مجتمع تلك المدينة بين وافد ومقيم وصادقتهم وما زلت أحن إليهم, وكان من دأبي أن أصلي التراويح في أحد مساجد تلك المدينة، وكان المؤذن – رحمه الله- مصابا في رجله اليمنى إصابة جعلتها تمتد يمينا ويميل هو يسارا بشدة، وكان الحال يقتضي أن أكون عن يساره خلال صلاة الفرض لأتبادل موقعي مع الإمام عن قرب فكنت أعاني من ميلان المؤذن إليّ وأجد صعوبة في أداء بعض الأركان.
ذات ليلة ارتأيت أن أكون عن يمين الرجل لأستريح من حمله فكانت النتيجة وخيمة لخصتها أثناء الصلاة ببيتين:
حللت يمين الشيخ خوف يساره ** فألفَيْتُ ذا جهلا بحالته محضا
فأفرشني رجلا وحُمِّلْتُ مرفقا ** وأوسعني وخزا وأنهكني ركضا.
بعد الصلاة انصرف أحد أفاضل المدينة بي وبآخرين إلى بيته كما جرت عادته في أغلب الليالي، وهناك وجدنا المرحوم المختار ابن الميداح ضيفا عليه، وخلال السمر حدثت الجلساء بمعاناتي وبالبيتين فجرت تعليقات مختلفة، وكان من بين الجلساء رجل يرى نفسه شاعرا فحلا ولكننا لا ننيله حقه فأضاف إلى البيتين من عنده إضافة يشاكس بها جليسا آخر، وأذكر مما قال مخاطبا إياي:
إذا ما أتيت للشيخ بعدُ فاحترس ** ووال عنك للشيخ أحمد المرضَى
عساه يريه ما أراك مضاعفا ** بل وعساه يزيد حتى ترضى
فيغمسه ظفرا؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ** ؟؟؟؟؟؟؟؟؟بل ويعُضُّه عضا.
وصادف إنشاده العامل المنزلي خارجا عند انتهائنا من غسل الأيدي استعدادا للطعام فناداه “الداه” فعاد إليه فأشار له إلى “الشاعر” فقال له هذا باستغراب:
– لقد غسلت يدي!
– اغسل وجهك أيضا.
فزاد استغرابه وقال: لماذا؟!
– لتستيقظ! ألست تهذي؟! (أنت أثرك ما اتهدرز؟)
فلم نتمالك أن ضحكنا عن آخرنا دون أن نستطيع مراعاة شعور صديقنا، ولم يزد “الداه” على تبسم خفيف، وبعدما حسبنا أننا سيطرنا على أنفسنا عاد فقال له: “حجب لا ايعود لك ذ أول ﮔلت صحة” فانتابتنا موجة أخرى من الضحك.
بعدها كنا نتحاشى ذكر المختار ابن الميداح – بل مجرد الإشارة إلى الحادث- بحضور صاحبنا حفاظا على صداقته وتجنبا لجرح شعوره، أو هكذا كان الأمر حتى منتصف سنة 1991 حين انتقلتُ من هناك.
منذ سنوات معدودة لقيت المعني في أحد شوارع العاصمة فأخبرني بأنه يعمل بإحدى دول الخليج منذ فترة فوجدتها فرصة للإفراج عن ضحكة حبيسة بدت سرورا بما يسر صاحبي، وإن كان باعثها ذكرى الحادث السابق.


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى