
رمضان كما عشته (27) الأستاذ: محمدو سالم ولد جدو
في أواخر رمضان 1409هـ (مطلع مايو 1989م) اتجهت وصديقين لي إلى قرية تبعد 20 كيلو مترا، للسلام على قادمين من السنغال إبان الأحداث العنصرية الدامية (وكنت في البادية لصلاة التراويح كما سلف). أمضينا الليل في السمر كعادتنا في تلك الفترة ثم ركبنا بغلس وجئنا مقصدنا مصبحين فتوخينا صديقا لنا من بين القادمين ريثما ترتفع الشمس فيكون من المناسب التجول للسلام والاطمئنان على السلامة.
وجدنا صاحبنا نائما فأيقظناه وبعد السلام نام ونام رفيقاي إلى جنبه، أما أنا فبقيت مستيقظا؛ لا لعدم الحاجة إلى النوم، وإنما لاستعصائه علي في مكان لما آلفه، وبعد ساعة أو أكثر جاء ناقل من الأقارب احتاجت سيارته إلى الدفع بعد ابتعادها عدة كيلو مترات ولم يكن معه غير امرأتين وبائع متجول، فنهض إليها جمع كنا ضمنه فأنعشناها من عثرتها، وفي طريق العودة فارت الريح سموما ينشف الحلوق ويشوي الجلود..
عدنا فزرنا القادمين من الخطر واطمأننا عليهم ثم انقلبنا مع صاحبنا إلى أهله الذين هيؤوا مكانا لمقيلنا، وهناك نام الثلاثة وبقيت وحدي أتسلى بالقسم العربي من “بي بي سي” عبر مذياعي الخفيف الذي لا يفارقني، وعند الظهر سئمت مما أنا فيه فخرجت إلى أسرة مجاورة وجلست عندها بانتظار نهوض أصدقائي.
أثناء ذلك توقفت سيارة تقل مسافرين فسقتهم ربة البيت الذي أنا به فوجدت استمتاعا لم أعرفه من قبل بمنظرهم وهم يشربون، وكدت أطلب الزيادة منهم عند ما يرفع أحدهم رأسه عن الإناء!
جاء المؤشر الثاني عند ما نهضت إلى صلاة العصر فإذا بي أحاول السير فأترنح يمينا أو شمالا دون قصد مني! عرفت أني على غير ما يرام فصليت في مكاني ولزمت موضعي حتى أفطرت تجنبا لأي طارئ غير محمود.
بتنا هناك وظللنا، وفي ليلتنا الثانية عدنا إلى منطلقنا بعد انتهاء التراويح، وكنت قلقا من أن يجر سفري إلى تأخر الفراغ منها حتى فاتح شوال أو الثاني منه نتيجة تغيبي ليلتين؛ وثالثة قدمت لجنة الأهلة بها رمضان، ولم يكن يسمح لرمضان بالكمال في تلك الحقبة (1971- 1994) لكني وجدت شيخي – رحمه الله- مع ضعفه الذي استدعى استبقائي للصلاة بدلا منه، صلى بالناس فلم يبق لي غير الختم في الليلة التي تلت عودتي وتوديع من ثم من الأهل في الليلة ذاتها ثم الانطلاق إلى حال سبيلي.
وفي مروري العاصمة رأيت مشاهد صادمة، لم تكن سوى آثار ما حدث من فظائع بدافع عرقي آثم.

