صرخات نساء ضحايا عادات مجتمع متخلف ..
لم يمنحها الله كثيرا من الجمال، ولا بسطة في العلم والجسم، ولم يغدق على أسرتها المال، ولا حظيت حتى بجاذبية “انگرادو” يعوض لها ما فقدت من جمال؛ وكأن نصيبها من زينة الحياة الدنيا قد صودر قبل أن تولد.
حدثتني -وقد تجاوزت سن اليأس، وانحنى ظهرها من عناء السنين، وصارت تقضي نهاراتها متنقلة بين بيوت بنات أخواتها، تحضن أطفالهن ريثما يذهبن إلى أعمالهن أو نزهاتهن وتبتسم لهن رغم ما في قلبها من حزن دفين – همست لي وكأنها تعترف بخطيئة لم ترتكبها بصوت يقطر مرارة:
“رحم الله أبي، فقد أخذ زهرة شبابي وحرمني من كل شيء جميل في هذه الحياة. كنت في ريعان شبابي حين أحببت ابن جيراننا حبا متبادلا. كنا نلتقي على استحياء خلف أسوار المدرسة، نتبادل النظرات والكلمات الخافتة، وحين أقعدني أبي عن الدراسة واصل هو، وتفوق وحين تخرج والتحق بوظيفة مرموقة جاء ليطرق بابنا. كنت أرى في ذلك اليوم بوابة الجنة تفتح أمامي، لكن أبي أدار ظهره وأطلق جملته التي لا تزال ترنّ في أذني : ” نحن لعرب مايشدونا”.
أظلمت الدنيا في عيني وانهار عالمي في لحظة، وما هي إلا أشهر حتى تزوج حبيبي من ابنة عمه، وتواترت الأخبار عن عرس أسطوري، وكان عرسهما حديث الحي. بلغني أن شهر عسلهما امتد بين الرباط ولاس بالماس.
وبعد أسابيع، وبينما كنت واقفة عند العمود السادس في مقاطعة عرفات في انتظار سيارة تاكسي إذْ رأيتهما يمران أمامي في سيارة فارهة تمخر عباب الريح وهما يضحكان في سرور، فدارت بي الدنيا، وكدت أغشى عليّ من شدة لوعة الغيرة .. شعرت أن قلبي انكسر .. كنت أصرخ في داخلي “ما ذنبي إن كان أهلي يحبسونني خلف قضبان تقاليدهم البالية ؟ ما ذنبي إن كانت عائلتي أسيرة عقلية منغلقة تشبه حياة الغجر؟.
مرت الشهور، وحاولت لملمة نفسي، وأقنعت نفسي أن أستعيد حياتي، فتقدم لي شاب زاوي متوسط الحال، فاعتقدت أن عقدة النسب انفرجت أخيرا. لكن أبي أعاد المأساة ببرود قاتل: “هو زاوي نعم، لكننا لا نزوج بناتنا لمثل هؤلاء من الزوايا، فهم أحط منا مكانة”. شعرت يومها أنني لست ابنته، بل أسيرة تعيش تحت سقفه. يا للمأساة! أي أب هذا الذي يرفض رحمة الله ويفسد مستقبل ابنته باتباع عادات جاهلية تضر ابنته في الدنيا وتضره هو نفسه في الآخرة !؟.
تكررت الحادث مرات والرفض تلو الرفض.
وفي إحدى رحلاتنا إلى بادية تكانت، لمحني شيخ هرم صديق لخالي، فعلمت من أمي أنه تقدم لخطبتني. رفضت وبكيت وتوسلت، لكنهم عقدوا قراني عليه بعد أيام وكأنني سلعة.
تقول وهي تبتلع غصتها: “ليلة الزفاف كانت كابوسا. رائحة الرجل تملأ المكان وتُزكم الأنوف، كأنها خرافة البادية كلها. عريس يعيش في حقبة مساء حياته ولم يسمع عن شيء اسمه الاستحمام ولا السواك تهب منه رائحة جلود الغنم ولم أستطع أن أسمح له أن يقترب مني. ولما كان ضعيف البدن لم يقوَ على إرغامي حتى ينال مني مبتغاه، فطلقني بكرا وهو يشتم أمي وأبي وعائلتي كلها. كان ذلك الطلاق بمثابة شقّ في جدار العائلتين لم يلتئم حتى الآن. وبداية شرخ عميق بين الأسرتين، وغصة لم تبرأ إلى يومنا هذا.
سكتت لحظة، ومسحت دمعة تسللت على وجنتها، ثم قالت بنبرة منكسرة: “اليوم، لم يبقَ مني إلا أطياف حزن وأسئلة بلا جواب. ماذا لو قال أبي نعم يومها؟ ربما كنت اليوم أماً لخمسة أطفال، وأعيش في رغد عيش، وربما لم أكن أقضي شيخوختي متنقلة بين بيوت قريباتي أحضن أطفالهن حتى يعدن من التسدار.”
رفعت رأسها إلى السماء وهمست وكأنها تكلم القدر:
“يا رب، لقد سامحت أبي على كل شيء، سامحته على حرماني من المال والبنين .. حرماني من زينة الحياة .. حرماني ممن يرعاني ويعطف عليّ في شيخوختي .. لكن قلبي ما زال يحترق لأنه لم يجد فرصة ليحيا”.
من صفحة الأستاذ: عالي محمد أبنو


