آراء وتحليلات

ادويرارة .. رحلت القرية وأتت المدينة / محمد افو

قد لا تكون “ادويرارة” محط اهتمام الغالبية ممن سيقرؤون هذا المقال ، لكن ربما سيطلون على قراهم أو مدنهم عبر هذه النافذة ، فمن الناحية الواقعية نحن نمضى جل أعمارنا نبحث عن أشياء في الواقع تشبه أشياء نحبها .

 

في منتصف و أواخر الثمانينات كانت القرى قد بدأت تشكلها على جنبات الطرق الرئيسية كما لو كانت الأخيرة انهارا فجرها القدر حديثا .

شكلت التجمعات القروية مظهرا من مظاهر الخضرمة الحضارية لإنسان بدوي يفكر للمرة الأولى في التخلي عن نمط حياته الأزلي .

كان التقري تحديا اجتماعيا واقتصاديا صادما لمجموعات البدو الرحل الذين فقدوا قطعانهم وهجروا مزارعهم نتيجة عقدين قاسيين من الجفاف المتقطع .

 

لقد دمرت تلك الظواهر الطبيعية أواصر الإنسان الموريتاني بالطبيعة التي استطاع التأقلم معها على الرغم من قسوتها وشحها .

 

انتقل البدوي للقرية يحمل معاه خيمته وقربته ومعوله وفأسه وما تبقى من قطيعه الهزيل ، وجاور معالم الدولة الحديثة علها تمنحه قسطا إضافيا من البقاء .

 

وبعد أن طوى الرجل البدوي خيمته وحاز قطعة في موطنه الجديد وارتخت عرى بطنه ، بدأ الجفاف في إرخاء قبضته على البيئة ، لنكتشف أن قرار التقري لم يكن مجرد قرار مؤقت أو مشروط .

لقد كان تحولا ثقافيا وسلوكيا ، وتأسيسا نمطيا غير عادي أو مسبوق .

 

طوال عقد التسعينات كانت ادويرارة تبالغ في ترتيب شكلها ، وانتقلت في سنوات قليلة من وضعية الممر إلى حالة المستقر ، وبدأت في التخلي عن نمط الجماعة والعصبة البدوية المنعزلة إلى نمط المجتمع المنفتح أمام الحركة المدنية الحديثة .

 

ففي ثنايا التحولات الثقافية يحدث الكثير من التقابل والمواجهة بين النقائض ، ولهذه الأسباب يحدث أن تنتصر أنماط على أخرى بمحض الصدفة نتيجة تكثف الدوافع اللحظية ( تماما كما يحدث في المعارك العسكرية او في المباريات الكروية ) .

والتاريخ في عمومه عبارة عن لحظات فاصلة يتم تثقيفها- لاحقا – لتشكل نصا حقيقيا أو حتى أسطورة ، لكنها في النهاية تكون تاريخا .

لقد عشت في تلك القرية سنواتها الأولى على طريق التشكل النمطي .

فالطريق الحديث والسيارة العابرة ومرتادي سوق القرية الحديث ، كلها بعثت على حالة من الإحساس المر بالإغتراب وشكلت هواجس خوف وحذر من الدخلاء على مجتمع العصبة المريح والآمن ، ونتيجة ذلك التحول الشعوري تلاشت جماعة ” الشنه ” والتجمعات النسوية الليلية بشكل عام ، وتعززت وسائل التأمين بشكل عام .

 

وبدأت ردات فعل ثقافية على ما جلبه اقتناء ” المسجلات ” من توسع في خيارات الترفيه ، والتي أدت بدورها لمعرفة أسماء كبار الفنانين وطرحت فكرة إحياء الحفلات و الأعراس بنجوم الطرب .

وعلى مستويات أخرى بدأت العصبة في تجربة احتكاك مباشر في حيز ترابي ضيق نسبيا ونتج عن ذلك الاحتكاك ميلاد جديد لطبيعة الأواصر والتي كانت قبل ذلك تتغذى على ظروف التباعد والتقارب الموسميين .

 

احتفظت القرية بروح الإنسان البدوي وظلت عقدها الأول بلا تعقيدات تذكر ، وتمدد الوقت كثيرا نتيجة تفرغ الوافد الجديد من المهام الشاقة التي كانت تشغله طوال اليوم في البادية ، ونتيجة ذلك بدأت تجمعات المساء في السوق تحث الناس على ما يشغل أوقاتهم الجديدة ، وتشكلت نتيجة لذلك ظاهرة ” الفتحة ” ( بناء دكان على الشارع والجلوس فيه ) مع أن جل “الفتحات ” كانت شبه فارغة من السلع ، لكن صاحبها يكون منضبطا في المدوامة فترتي الصباح والمساء .

 

علي هامش هذا السوق الناشئ تشكلت جماعات ” ظامه ” وكان جل مرتاديها من اصحاب تجارة المواشي والمقاولات ( يتجارون في غنم وبيع اللحوم أو مواد البناء ) لأن جل زبائنهم يتعاقدون معهم في أي مكان يقابلونهم فيه ( عكس تجار “اباتيك” ).

 

نشطت المحاظر نتيجة التقري وفرغ الأهالي أبناءهم للدراسة لذلك انتشرت المحاظر في ارجاء القرية آنذاك أكثر من الحد الطبيعي ( حسب تقديري اكثر من 50 محظرة في حيز سكاني يناهز 1000 نسمة تقريبا ) والتقدبر يعود لعام 89 .

 

دخلت القرية للمرة الأولى ليلة الثلاثاء ولحظة خروجي من السيارة كانت أصوات ” اتلاميد ” تنداح من كل الجهات .

و أدركت لاحقا عمق ذلك الصوت وتأصله في وجدان السكان .

خيل إلى أن هذا الصوت كان تعبيرا عن حالة احتفالية بحلم قديم أكثر من كونه حالة طارئة نتيجة التجمع.

وفي المقابل فتح موضوع المدرسة والتمدرس بشفافية كبيرة ومريحة أمام تنقاضات البادية والمدينة ( المدرسة حرام – المدرسة ضرورة ) ، وفي النهاية ظل رأي المدنية يقلص النتائج لصالحه حتى انتهت قصة الرفض نهائيا في فترة وجيزة واكتظت المدارس بالطلاب الشغوفين بالتعلم.

حدث جدل كهذا حول دفن الموتى ( هل يكون لحدا أم شقا أو حتى فسقية ) .

 

في بداية التسعينات بدأ الحديث عن تحرير التجارة وفتح الأسواق وتسللت للقرية بعض السيارات الفارهة مبشرة بمنجم التجارة في غرب البلاد .

َومنذ ذلك الحين ظننت أنني غاردت تلك القرية ، لكنني اكتشفت حال عودتي وبعد عقدين من الزمن ، أنها هي أيضا غادرت في نفس الحقبة .

 

اليوم تقع في نفس المكان مدينة أخرى لا أعرفها وإن كانت ملامح أهلها تشبه ملامح أسلافهم .

فمن الناحية الواقعية نحن نمضى جل أعمارنا نبحث عن أشياء في

الواقع تشبه أشياء كنا نحبها .


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى