أعلام

دداه ولد إسحاق

دداه

كانت أجواء “الخط” بمقاطعة المذرذرة وجهة لجل الباحثين عن الانتجاع لشتى أصناف المواشي، لما تحويه تلك المنطقة من غابات ونباتات جميلة يزداد منظرها جمالا كلما هطل المطر كما يزيده أصوات الطيور الصغيرة الوديعة والعصافير الرقيقة الناعمة التي تحلق في الفضاءات الفسيحة بين الأشجار والأغصان وفوق جداول الماء. كانت تلك الأجواء باستمرار محط اهتمام الباحثين عن الجمال وخاصة الشعراء منهم؛ فتثير مناظر “الخط” كثيرا من اللوعة والشجون والأسى والحنين.. وكان خير من وصف لنا تلك الأجواء الحالمة في كلمات رقيقة ناعمة موفية وبليغة هو الشاعر العلامة لمرابط امحمد ولد أحمد يوره حيث يقول:
من لم ير “الخط” ممطورا وســـاكنه~~فإنه ما رأى الدنيا ولا الناسا.
في هذه الأجواء الحالمة ولد سنة 1946م دداه ولد إسحاق ولد أحمذو ولد محمد ولد يحي ولد محنض ولد حامدتو ولد أشفغ يحي ولد أحمد شلل (بو ميجه) ولد يعقوبنلل ولد ديمان لأمه أم الخير بنت محمذن ولد بابكر ولد احمد ولد العادل ولد آبر ولد ألمين ولد أشفغ يحي ولد أحمد شلل ولد يعقبنلل ولد ديمان.
توفيت والدته أم الخير – رحمها الله- وهو ابن إحدى عشر سنة فتربى بين بيت عمته وبيت أبيه. تلقى في صغره تعليما محظريا جيدا كما هي العادة عند تلك “الفرگان” فأخذ عن مصادر متعددة فحصّل رصيدا معرفيا مكنه من المشاركة في الحياة النشطة.
حاول أن يندمج في بداية حياته في النسق الاقتصادي المتبع في محيطه؛ وهو العمل في مجال التجارة بالسنغال، لكنه لم يجد نفسه في ذلك النشاط. توجه إلى انواكشوط العاصمة الفتية في نهاية الستينات مستكشفا عالمها الجديد فاستهواه في البداية العمل في مجال النقل، لكنه بعد مدة لم يرق له هو الآخر. شارك سنة 1970- 1971م في مسابقة ختم الدروس الابتدائية فنجح متفوقا رغم أنه لم يجلس يوما على مقاعد الدرس، لكنه كان ذكيا. وفي العام الدراسي الموالي (1971- 1972) شارك في امتحان شهادة ختم الدروس الإعدادية، وفي العام نفسه (1972) شارك في مسابقة اكتتاب لضباط الصف الدركيين، وتم اكتتابه وتلقى تدريبه في مدرسة الدرك ليتخرج بعد ذلك بسنة تقريبا.
عمل دركيا في عدة مناطق من الوطن، كما عاصر حرب الصحراء وما تلاها من انقلابات عسكرية وهو في ثكنته لم تعرف عنه مواقف سياسية.
في سنة 1978م تم إرساله ضمن دفعة إلى الأردن ليتلقى تكوينا عسكريا تخرج منه ملازما أول (يطنه) وفي سنة 1980م ذهب إلى إسبانيا ليتلقى تكوينا حول الإدارة، وبعد عودته تم تعينه سنة 1981م نائبا لقائد المنطقة العسكرية في ولاية لعصابة، وفي سنة 1982م تلقى تكوينا حول التسيير المالي في الجزائر تخرج منه برتبة نقيب (كابتين) وفي سنة 1983م عين دداه حاكما لمقاطعة تيارت بالعاصمة انواكشوط فحاول الكثير من الناس التقرب إليه وإهداءه الهدايا الفاخرة، لكنه كان يرفضها ويقول: إياكم وأبواب الأمراء.
حاول أحد المتنفذين آنذاك تقديم كباش “كشوة” له فرفضها دداه، ثم إن المتنفذ جاء يوما إلى مكتب دداه يريد منه بعض التسهيلات وبعض الرخص للقطع الأرضية فأعرض عنه بلباقة ودبلوماسية غير معهودة عند العساكر ولسان حال دداه يقول:
أخو الفسق لا يغررك منه تــودد ~~فكل حبال الفاسقين مهين
وصاحب إذا ما كنت يوما مصاحبا ~~ أخا ثقة بالغيب منك أمين.
عرف دداه بالبساطة والقناعة والاستقامة والأمانة والفرار من الشبهات والبعد عن استغلال النفوذ؛ فكان يعرف جيدا أن النَّزاهة والعفة خلق رفيع من أخلاق الإسلام، وأدب من آداب أهل الإيمان يجمع خصال الخير كلها ويحمل من اتصف به على التخلق بمكارم المروءة ومعالي الأمور وتجنب المرء ما لا يليق به والابتعاد عن إساءة الظن به والشكوك حوله.
لقد خرج دداه من مقاطعة تيارت ولم يقيد شبرا واحدا من الأرض باسمه أو باسم أحد من ذويه؛ بل لم يملك من العقار سوى داره بقرية الدوشلية، ولم يعرف عنه أبدا أنه استغل منصبه للثراء أو التملك غير الشرعي.
عين سنة 1984م مدير دروس بمدرسة الدرك بلگوارب، ثم عين سنة 1987م في قيادة الأركان.
عرف دداه بالتفاني والإخلاص في عمله، يحنو ويعطف على صغار الرتب من العساكر، وكان بعيدا من العجرفة والاستبداد العسكري الذي يتسم به جل العساكر.
يحكى أن رجلا من ذوى الرتب الصغيرة كان يعمل في أحد مكاتب قيادة الأركان – ودداه يومها يدير ذلك المكتب- واكتشف دداه أن الرجل أحد خريجي المحاظر العريقة فاستغل الفرصة وبدأ يدرس عليه فصولا من مختصر خليل في الفقه المالكي، فأصدر دداه أمرا للرجل بأن لا يقدم إليه التحية العسكرية إن لقيه؛ بل يكتفي بالسلام وبالمصافحة.
عين دداه رئيسا لخلية الأزمة التي شكلت لاستقبال المسفرين الموريتانيين من السنغال سنة 1989م وكان شاهدا على المآسي وما تلاها، وقد أثرت تلك الأحداث تأثيرا عميقا في نفسه ودعته إلى التفكير في ترك العمل بالإضافة إلى ما أصبح شائعا من الفساد في سلك الضباط، وهذا ما دفعه إلى اتخاذ إجراء نهائي بتقديم طلب للاستفادة من حقه في التقاعد المبكر، وكان ذلك سنة 1991م.
عاد دداه بعد تقاعده ببساطة وتواضع تاركا النياشين والأوسمة والمال المغري والجاه والثراء اليسير إلى العمل في مجال التجارة بمدينة لگوارب، ومن غريب الصدف أنه ذات يوم توقفت سيارة فارهة أمام محله فنزل منها دركي من دفعته عليه نضرة النعيم، وما إن عرف ملامح دداه حتى قدم له التحية لا إراديا فجثا العسكري على ركبتيه وأجهش بالبكاء لما رأى حال زميله المعرض عن الدنيا وأهلها.
بعد ذلك انتدب سنة 1996م ليشرف على تسيير مضخة قريته (الدوشلية) المنشأة حديثا وتولى تلك المهمة حتى يوم وفاته.
تم استدعاؤه قبل وفاته بيومين من طرف أحد أصدقائه وزملائه المعروفين ليستفيد من امتيازات يمكن أن يحصل عليها متقاعدو ضباط الدرك، ولكن كان جوابه مؤثرا جدا. قال إنه يعجب للبعض الذي لا زال ينتظر منه أن يفكر بالدنيا بينما لا يفكر هو إلا بالربوة التي أوصى أن يدفن فيها في مدفن تنيخلف.
وفي أحد مساءات مايو من سنة 2009م، وبعد أن أكمل 63 سنة أصيب دداه بوعكة صحية خفيفة أسلم خلالها الروح لباريها فدفن حيث أوصى مع آبائه في مدفن تنيخلف (بقيع إگيدي) رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جنانه.

من صفحة البراء ولد محمدن


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى