
لكي نفهم الأدب (44) الأستاذ: محمدو سالم ولد جدو
درج الشعراء الأقدمون على الترحيب بالخيال الطارق وتَعَشُّق من يمثله، وتصوير اللواعج التي هاجها، وانتهاز الفرصة لإيضاح البون بين السلوك الحقيقي للمحبوب وسلوك خياله.. كقول البحتري:
أحببْ إليَّ بطيف سُعدى الآتي ** وطروقه في أعجب الأوقات
كيف اهتديت لمُحرمين تصوبوا ** لسفوح مكة من ذرى عرفات؟ّ
وكثيرا ما تكون المقدمات الشجية من نصيب الهجائيات المقذعة (دامغة جرير مثلا) وهو ما يربك المتلقي حين ينتقل من عالم الرقة والجمال إلى عالم الخشونة والقبح!
الراعي النميري (عبيد بن حصين) خرج عن المألوف فدخل الميدان منازلا منذ الخطوة الأولى من خلال الاستياء من خيال أم حزرة (أم ولد جرير) الكابوس الذي زعم أنه التبس عليه بالغول!
جاء الراعي بتصوير غير مألوف يكسر الروتين.. لكن لم يتابعه أحد فيما أعلم!
طاف الخيال بأصحابي فقلت لهم: ** أَأُمُّ حَزْرَةَ زارتْنا أم الغول؟!
لا مرحبا بابنة [الأفعال] إذ طرقت ** كأنَّ مَحْجِرَهَا بالقار مكحول
سود معاصمها جُعْدٌ مَعَاقِصُها ** قـد مسها من عقيد القار تنصيل.
(المعاقص: القرون).
مرة ذكرت ديوان الراعي في حديث مع أحد علماء بلادنا فسألني باستغراب: وهل للراعي ديوان؟! أجبته بالإيجاب وقلت في نفسي: لعل هجاء جرير وما نشأ عنه من تدن لمكانة الراعي وقومه كانا وراء الزهد في شعره حتى بين المهتمين، كما كان توهيم المجد الفيروزابادي للجوهري سببا في انصراف المهتمين عن الصحاح؛ إما اكتفاء بالقاموس ما دام احتواه وزاد، وإما فقدا للثقة به.


