
لماذا يكسر رئيس الجمهورية جدار الصمت الإعلامي؟
عشية المؤتمر الصحفي المرتقب لفخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، يتساءل كثيرون عن أسباب هذا المؤتمر، خصوصا وأن رئيس الجمهورية آثر منذ استلامه السلطة أواخر 2019 البعد عن الضجيج الإعلامي.
صحيح أن ابتعاد رئيس الجمهورية عن الحديث غير الضروري لوسائل الإعلام قد يكون له ما يفسره نظرا للخلفية المهنية والاجتماعية للرجل، وهو ما صرح به في أكثر من مناسبة؛ لكن من المؤكد أن لديه ما سيقوله في هذا المؤتمر الصحفي المرتقب.
ومن نافلة القول إن هذا المؤتمر ليس الأول لفخامة رئيس الجمهورية منذ استلام السلطة، إذ سبق أن عقد لقاء صحفيا في الربع الأول من عام 2020 على هامش مأدبة عشاء أقامها بالقصر الرئاسي في نواكشوط على شرف طيف من الصحافة الوطنية، لكن قد يكون هذا المؤتمر الأهم بالنظر إلى توقيته وما تعيشه البلاد من تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية، وما يعيشه العالم والإقليم من اضطرابات أمنية وجيوسياسية.
فأخيرا، وبعد مخاض عسير وجدال واسع بين المعارضة والموالاة حول بند “المأموريات”، أسدل الستار على توقيع خارطة طريق الحوار الوطني الذي تعهد به فخامة رئيس الجمهورية والتزم بتنفيذ مخرجاته، وإن كان من بين الفرقاء السياسيين من آثر عدم المشاركة فيه، وإن بارك ما ينطوي عليه من مواضيع.
وعلى الصعيد الأمني، تنعقد هذه الخرجة الإعلامية في ظل حالة استقرار أمني لفتت الأنظار في محيط إقليمي ودولي مضطرب، مما يعكس نجاعة المقاربة الأمنية الموريتانية التي باتت تُمثّل نموذجا يُحتذى؛ وكان من أحدث تجلياتها إطلاق سراح مجموعة من سجناء الغلو والتطرف إثر حوار فكري وديني جاد أُطر ضمن هذه المقاربة الشاملة.
كما رافق ذلك انتقال الحكومة خلال السنة الجارية إلى اعتماد مقاربة “ميزانية البرامج”، وتقليص ميزانيات التسيير، في خطوة اعتبرتها تجسيدا عمليا لترشيد الموارد وضبط الإنفاق، ويرى مراقبون أنها تمثل انتقالا استراتيجيا من التركيز على العون الاجتماعي الذي طبع المأمورية الأولى إلى العمل على تعزيز المنجز التنموي في المأمورية الثانية، بالتوازي مع مواصلة جهود ترسيخ الحكامة ومحاربة الفساد.
يضاف إلى ذلك ما عرفته البلاد على غرار دول العالم من تحديات اقتصادية تمثلت في تداعيات الأزمات الجيوسياسية في الشرق الأوسط على أسعار الطاقة، وما أعلنت عنه الحكومة من إجراءات لتحصيل الإيرادات الضريبية وخفض الدعم عن المحروقات وتقديم حزم من المعونات الاجتماعية للفئات الهشة لامتصاص الصدمات الاقتصادية، ناهيك عن إطلاق حزمة من المشاريع التنموية في إطار البرامج الاستعجالية، حيث شارفت التجربة الأولى منها في نواكشوط على الاكتمال، ويجري وضع اللمسات الأخيرة على مرحلتها الثانية، بالتوازي مع الشروع في تنفيذ برامج مماثلة في الداخل والتحضير لإطلاقها في العاصمة الاقتصادية نواذيبو.
ولا شك أنكم تذكرون ما دأب عليه رئيس الجمهورية من تقديم رسائل قوية في خرجاته الإعلامية وخطاباته الرسمية وما طبعها من مصارحة ومكاشفة؛ حيث لم يتردد في مواجهة الرأي العام بتشخيص مواطن الخلل الاجتماعي والقصور التنموي ومظاهر الترهل الإداري، وليست خطابات وادان وشنقيط وجول وتخرج دفعتي المدرسة الوطنية للإدارة والصحافة والقضاء ومداخلات جولة الحوض الشرقي الأخيرة عنا ببعيد.
قد لا يكون من الوارد تقديم إجابة قاطعة على سؤال “لماذا يكسر رئيس الجمهورية جدار الصمت الإعلامي؟”، لكن من السهل توقع بعض المحاور التي قد يتطرق لها خلال اللقاء، ليقدم من خلالها رسائل طمأنة للرأي العام الوطني حول مآلات التحولات السياسية، والخيارات التنموية، والرؤية الاقتصادية، والمقاربة الأمنية، وتبقى مهنية الأسئلة وحنكة المحاورين حجر الزاوية في إنجاح هذا اللقاء.


