
لكي نفهم الأدب (23) الأستاذ: محمدو سالم ولد جدو
وإني وإن كنت الأخيـر زمـانه ** لآت بما لم تستطعـه الأوائـل
بيت من ثاني الطويل أشار مجد الدين الفيروز آبادي إليه بقوله: “ولو لم أخش ما يلحق المزكي نفسه من المعرَّة والدَّمان (1) لتمثلت بقول أحمد ابن سليمان، أديب معرة النعمان”.
هذا البيت هو العاشر من قصيدة عدتـها واحد وأربعون بيتا لأبي العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري (نسبة إلى معرة النعمان) يبدؤها بقوله:
ألا في سبيل المجد ما أنا فاعل ** عفاف وإقدام وعزم ونائل
وفيها يقول:
وإني وإن كنت الأخيـر زمـانه ** لآت بما لم تستطعـه الأوائـل
وأغدو ولو أن الصباح صوارم ** وأُسري ولو أن الظلام جحافل(2)
وإني جواد لم يُحَلَّ لِجَامُه ** ونِضْوٌ يمانٍ أهملته الصياقل(3)
وإن كان في لبس الفتى شرف له ** فما السيف إلا غمده والحمائل
وكل القصيدة فخر وحكمة وتأمل، والبيت المشار إليه أشهرها.
ويروى أن شخصا -زعمه بعضهم صبيا- سأل المعري بناء عليه قائلا: لقد أتى الأولون بثمانية وعشرين حرفا فهل تستطيع أن تزيد بحرف؟ فأفحم المعري!.
والقصة متداولة على ما فيها من سخافة توحي بأن القائل صبي أو لا يكون؛ ولكنها لا تحمل من القيمة ما يفحم المعري ولا غيره. فجوانب التجديد والإبداع كثيرة وليس شرطا أن يبدع المبدع في كل ناحية، والمعري ارتاد من حميد الإبداع ومذمومه ما لم يسبقه أحد إليه.
والقول باستحداث حرف تسطيحٌ للإبداع؛ لأن الحرف رمز لصوت معين وليس معرفة بذاته، والتجديد والإبداع لا يتوقفان على زيادة الأصوات حتى تنشأ حروف لَمّا تُوجَدْ من قبل.
ومهما يكن فالمعري رائد النزعة الفكرية المركزة في الشعر العربي، وأحد رواد الصنعة فيه؛ ولعله أول من جمع شعره بنفسه ودونه. ولعله –كذلك- أول من وجد له ديوان يمتاز بالتزام ما لا يلزم (اللزوميات) ولعله –ثالثا- أول من تجاوز بالعقل الحدود القريبة لخيال الشعر وآفاقه من شعراء العرب..
أبكت تلكم الحــمامة أم غـ ** نت على فرع غصنها المياد؟!.
_______________
1. الدمان: التلوث.
2. جحافل: جيوش عظام (مفردها جحفل).
3. نضو: سيف رقيق أو مسلول، يمان: منسوب إلى اليمن، الصياقل: ج: صَيْقَلٍ: من يجلو السيوف ويشحذها ولعله كنى بهم عن قومه أو سادة مجتمعه.
(من “ذيل الطاؤوس بتحقيق وشرح شواهد القاموس” للعبد الفقير).

