ثقافة

لكي نفهم الأدب (31) الأستاذ: محمدو سالم ولد جدو

يعجبني سمو الأمير عبد الله الفيصل آل سعود (1923 – 2007م) رحمه الله، ولا أعني سموه الملكي فهذا خارج عن مجال هذا الحديث وله من يقومون بفرض كفايته؛ وإنما أعني سموه الأدبي والأخلاقي والعاطفي الذي يصر على الوفاء مهما تضافرت دواعي الصرم، ويحلق عاليا فوق خيوط الذكورة والأنوثة فلا يعثر فيها ولا يتيه في تلافيف التفاصيل الجزئية من عشق وصداقة وأبوة وأمومة وأخوة.. إلى آخر تضاريس مثلث برمودا الشعري الذي التهم عمالقة من قبله ومن بعده.
في قصيدته “ثورة الشك” يخاطب الأمير الشاعر عبد الله الفيصل جوهر الروح الإنسانية على نحو التعامل مع ما يسمى الخلايا الأساسية (أو الجذعية) في العلوم الطبيعية؛ لذا جاءت “ثورة الشك” ثورة على الشك والعتاب والهجر والوجد والسلو في أشكالها التقليدية المبتذلة.
تجلى ذلك في الثقة الفائقة التي تلوح في كل أرجاء النص:
أكاد أشك في نفسي لأني ** أكاد أشك فيك وأنت مني
يقول الناس إنك خنت عهدي ** ولم تحفظ هواي ولم تصني
وأنت مناي أجمعها مشت بي ** إليك خطى الشباب المطمئن
وقد كان الشباب لغير عود ** يولي عن فتى في غير أمن
وها أنا فاتني القدر الموالي ** بأحلام الشباب ولم يفتني
كأن صباي قد ردت رؤاه ** على جفني المسهد أو كأني
يكذب فيك كل الناس قلبي ** وتسمع فيك كل الناس أذني
وكم طافت علي ظلال شك ** أقضت مضجعي واستعبدتني
كأني طاف بي ركب الليالي ** يحدث عنك في الدنيا وعني
لا يهدم الشاعر الجسر ولا يحرق الزرب ولا يسد باب الرجوع، ولا يقول:
فسلي ثيابي من ثيابك تنسل!
بل يظل ساعيا إلى إقامة جدار ثقته الذي يريد أن ينقض؛ باحثا عما يدحض دواعي الشك التي تظل أراجيف في نظره مهما بلغت، ساعيا إلى تفنيد عينه وأذنه وتصديق خياله كما يفعل الناخب الموريتاني!
على أني أغالط فيك سمعي ** وتبصر فيك غير الشك عيني
وما أنا بالمصدق فيك قولا ** ولكني شقيت بحسن ظني
وبي مما يساورني كثير ** من الشجن المؤرق لا تدعني
تعذب في لهيب الشك روحي ** وتشقى بالظنون وبالتمني
أجبني إذ سألتك هل صحيح ** حديث الناس خنت؟ ألم تخني؟!                                                                     لا تخلو القصيدة – رغم امتياز مضمونها- من مآخذ شكلية فنية، ربما تغاضى النقاد عنها مراعاة لمكانة صاحبها (أكبر أبناء الملك فيصل) فتوجه بعضهم إلى الإشادة المستحقة بها وصرف النظر عن وجه العملة الآخر، وللسببين كليهما (في ظني) انتقى رياض السنباطي أبياتا منها فلحنها وقدمها سنة 1958 إلى جمهور الطرب على متن صوت إحدى كبريات المطربات فحسب أغلبهم ما سمعوه كل النص؛ على نحو ما أصاب ملحمة “الأطلال” للدكتور إبراهيم ناجي التي قلصها التلحين والغناء في أذهان السواد الأعظم من المتلقين إلى حوالي 20 بيتا لسبب مشابه!


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى