
ظرافات وظرفاء (37) / الأستاذ: محمدو سالم ولد جدو
شرب أبو دلامة في إحدى حانات بغداد وسكر، فمضى وهو يتمايل، فلقيه العسس فأخذوه، فقيل له: من أنت؟ وما دينك؟ فقال:
ديني على دين بني العباس ** ما ختم الطين على القرطاس
إذا اصطبحت أربعا بالكاس ** فقد أدار شربها براسي
فهل بما قلت لكم من باس؟!
فأخذوه وخرقوا ثيابه وساجه (طيلسانه) وأتوا به إلى أبي جعفر المنصور، فأمر بحبسه مع الدجاج. فلما أفاق جعل ينادي أهل بيته فلا يجيبه أحد، وهو – مع ذلك- يسمع أصوات الدجاج. فلما أكثر قال له السجان: ما شأنك؟ قال: ويلك! من أنت؟ وأين أنا؟ قال: قال: أنت في الحبس، وأنا فلان السجان. قال: ومن حبسني؟ قال: أمير المؤمنين. قال: ومن خرق طيلساني؟ قال: الحرس. فطلب منه دواة وقرطاسا، ففعل، فكتب إلى أبي جعفر المنصور يقول:
أمن صهباء صافية المزاج ** كأن شعاعها لهب السراج
وقد طبخت بنار الله حتى ** لقد صارت من النطف النضاج
تهش لها القلوب وتشتهيها ** إذا برزت ترقرق في الزجاج
أقاد إلى السجون بغير جرم ** كأني بعض عمال الخراج
ولو معهم حبست لكان خيرا ** ولكني حُبست مع الدجاج!
أمير المؤمنين فدتك نفسي ** علام حبستني وخرقت ساجي
وقد كانت تخبرني ذنوبي ** بأني من عقابك غير ناج
على أني وإن لاقيت شرا ** لخيرك بعد ذاك الشر راجي.
فاستدعاه المنصور وقال: أين حبست يا أبا دلامة؟ قال: مع الدجاج. قال: فما كنت تصنع؟ قال: أقوقي معه إلى الصباح، فضحك وخلى سبيله وأمر له بجائزة، فقال الربيع (حاجب المنصور): إنه شرب الخمر يا أمير المؤمنين، أما سمعت قوله: وقد طبخت بنار الله؟ يعني الشمس! قال: لا والله، ما عنيت إلا نار الله الموقدة التي تطلع على فؤاد الربيع.. فضحك المنصور.