آراء وتحليلات

مغالطات X مغالطات! / محمد الأمين ولد الفاضل

هناك جهات عديدة تحاول في أيامنا هذه أن تمرر مغالطات خطيرة، وهو الشيء الذي يستدعي منا كشف وفضح تلك المغالطات.

مغالطات إذاعة فرنسا الدولية

لم تتورع مؤسسة إعلامية كبيرة بحجم إذاعة فرنسا الدولية عن نشر أكاذيب بينة وفاضحة، ومن أكاذيبها الفاضحة أنها قالت في إحدى نشراتها على لسان مراسلها في نواكشوط الصحفي سالم مجبور سالم بأن اللغة الفرنسية ـ حسب الدستور الموريتاني ـ هي لغة عمل في موريتانيا!!!

إني أتحدى إذاعة فرنسا الدولية أن تأتيني بمادة واحدة من الدستور الموريتاني تقول بأن الفرنسية هي لغة عمل في موريتانيا، بل إني أتحداها أن تأتيني بأي ذكر للغة الفرنسية في أي مادة من مواد الدستور الموريتاني البالغ عددها 102 مادة.

من مغالطات إذاعة فرنسا الدولية كذلك أنها ذكرت في نفس النشرة بأنه تم تحريم التحدث  باللغة الفرنسية في مداولات البرلمان الموريتاني، وهي المغالطة التي كررتها في خبر نشرته على موقعها يوم 03 ـ 02 ـ 2020 عند منتصف الليل وست وعشرين دقيقة، واختارت أن تعنونه بالكذبة التي تقول بأنه تم تحريم اللغة الفرنسية في البرلمان.

هذه كذبة أخرى، وهنا أتحدى ـ وللمرة الثانية ـ إذاعة فرنسا الدولية بأن تأتيني بمادة واحدة في القانون الداخلي للجمعية الوطنية تحرم استخدام الفرنسية في البرلمان الموريتاني ..بل أكثر من ذلك فإني أتحداها بأن تأتيني بتصريح واحد لرئيس البرلمان الموريتاني أو لأي نائب في الجمعية الوطنية يقول فيه بأنه تم تحريم استخدام اللغة الفرنسية في البرلمان الموريتاني.

مغالطات محلية

يُراد لنا على المستوى المحلي أن نصدق هذه المغالطات، وفي هذا الإطار فقد سارعت اللجنة الدائمة لحزب التكتل إلى إصدار بيان تصف فيه توفير الترجمة الفورية للغاتنا الوطنية بالإجراء الديماغوجي، وأصدرت حركة إيرا بيانا مطولا تحت عنوان “ﻣﻮﺭﻳﺘﺎﻧﻴﺎ : ﺍﻟﻄﺮﻳﻖ ﺍﻟﻤﻨﺤﺮﻑ ﻟﻠﺘﻤﻴﻴﺰ” تضمن ما تضمن من الإساءة إلى اللغة العربية ومن تمجيد للغة الفرنسية، هذا فضلا عن بيانات وتصريحات عديدة أخرى صادرة عن “أفلام” وعن بعض الشخصيات السياسية التي كان يفترض بها أن تُدافع عن لغاتنا الوطنية المهمشة حتى في مداولات البرلمان.

هناك حملة واسعة ـ صريحة ومستترة ـ للدفاع عن  اللغة الفرنسية، ولفرض بقائها مسيطرة داخل الإدارة،هذه الحملة قائمة على جملة من المغالطات، وتشارك فيها جهات خارجية وأخرى داخلية، ولكشف تلك المغالطات دعونا نبين حقيقة ما جرى من إصلاحات في النظام الداخلي للجمعية الوطنية، والذي اعتبره البعض يشكل تحريما لاستخدام اللغة الفرنسية في مداولات ونقاشات البرلمان الموريتاني.

كل ما تم حتى الآن هو أن الإصلاحات الأخيرة في النظام الداخلي للجمعية الوطنية، والتي أتاحت ـ بالمناسبة ـ الفرصة لتشكيل لجنة تحقيق برلمانية، تضمنت من بين أمور أخرى إضافة المادة 61 عن الترجمة الفورية، وقد جاء فيها وبالنص:” توفر إدارة الجمعية الوطنية الترجمة الفورية لمداولات البرلمان باللغات الوطنية”. كل ما تسمعون الآن من صراخ السبب فيه هو أن الجمعية الوطنية قد قررت توفير الترجمة الفورية للغاتنا الوطنية!!!

صحيح أنه من الناحية التقنية ما تزال هناك بعض المشاكل القائمة، والتي تمنع الجمعية الوطنية من أن توفر أكثر من ترجمتين في وقت واحد، ولهذا فقد تم الاقتصار على البولارية والسنونكية، وغابت الولفية الممثلة بنائب واحد في الجمعية ، ولكن وحسب مصادر داخل الجمعية فإن هذا الإشكال التقني سيحل مستقبلا. فهل يريد من يقف وراء هذه المغالطات أن تمنع إدارة الجمعية الوطنية الترجمة من البولارية أو السنونكية حتى تتيح الفرصة للترجمة من وإلى اللغة الفرنسية؟

هناك بعض الإيضاحات التي يجب تقديمها هنا لكشف مدى خطورة هذه الحملة المستفزة التي تم إطلاقها ضد لغاتنا الوطنية (العربية؛ البولارية؛ والسنونكية؛ والولفية)، والتي لاشك أنها ستتصاعد خلال الأيام والأسابيع القادمة.

1 ـ في أغلب البرلمانات في العالم يحظر استخدام اللغات الأجنبية في مداولات ونقاشات النواب، لأن مثل ذلك يشكل انتقاصا من السيادة الوطنية. ففي فرنسا مثلا يحرم استخدام أي لغة غير الفرنسية في البرلمان الفرنسي، وفي تونس يحرم استخدام أي لغة غير اللغة العربية في البرلمان التونسي (المادة 104 من النظام الداخلي)، وفي المغرب يحرم استخدام أي لغة غير العربية والأمازيغية داخل البرلمان المغربي..وهكذا.

ربما نكون نحن في موريتانيا هم الاستثناء الوحيد في هذا المجال، ومع ذلك فها هي القيامة قامت بالنسبة للتكتل وإذاعة فرنسا الدولية وإيرا و”أفلام”، وذلك بسبب أن الجمعية الوطنية قررت أن توفر الترجمة الفورية للغاتنا الوطنية!! للتنبيه نحن هنا نتحدث عن الترجمة الفورية لمداخالات النواب، أما ترجمة الوثائق والقرارات الصادرة عن الجمعية الوطنية إلى الفرنسية فهي لم تتوقف في أي وقت، هذا إذا لم تكن تلك الوثائق  تصدر أولا بالفرنسية ثم تترجم من بعد ذلك، وربما بشكل سيء، إلى اللغة العربية، الشيء الذي يحدث عادة في أغلب الدوائر الحكومية.

2 ـ لقد ظهر بأن شعار تطوير وترسيم لغاتنا الوطنية لا يستخدم بشكل جدي إلا للوقوف ضد اللغة العربية، أما في الأوقات الأخرى فإنه يتحول إلى مجرد شعار للاستهلاك السياسي، فعندما حان الجد لترسيم لغاتنا الوطنية على الأقل داخل البرلمان، تم التخلي عن هذا الشعار لصالح بقاء اللغة الفرنسية مسيطرة في البرلمان. تصوروا أن بعض النواب الناطقين بلغاتنا الوطنية البولارية والسنونكية والولفية، ومن شدة تعلقهم باللغة الفرنسية، قالوا خلال النقاشات التي صاحبت هذه الإصلاحات الأخيرة بأن لغاتهم الأم ليست لغات صالحة للاستخدام بشكل رسمي!!

3 ـ هناك مغالطة كبيرة يبرر بها البعض تمسكه باللغة الفرنسية، وذلك على أساس أن هذه اللغة هي لغة تواصل بين الموريتانيين ولغة تواصل مع العالم. فيما يخص القول بأنها لغة تواصل بين الموريتانيين فيكفي أن نعود إلى آخر تقرير للمنظمة الدولية للفرانكفونية وهو التقرير الذي جاء فيه بأن عدد من يتحدث قليلا أو كثيرا باللغة الفرنسية في موريتانيا لا تتجاوز نسبته 13% . هذا يعني بأن 87% من الموريتانيين تتواصل بلغات أخرى غير اللغة الفرنسية، ثم إن هذه ال13% التي تتحدث باللغة الفرنسية تتحدث أيضا بلغة أخرى من لغاتنا الوطنية، فلماذا نحرص على التواصل مع 13% ولا نحرص على التواصل مع 87% من الشعب الموريتاني؟

على المستوى الدولي فإن اللغة العربية من حيث الانتشار تأتي في الرتبة الرابعة عالميا بينما تأتي اللغة الفرنسية في الرتبة التاسعة. إن القول بأن اللغة الفرنسية هي لغة تواصل داخليا وخارجيا هي مغالطة مكشوفة. صحيح أن هناك دولا شقيقة ومجاورة تستخدم اللغة الفرنسية، ولكن الصحيح أيضا بأن هناك دولا شقيقة أخرى تستخدم اللغة العربية، وهي دول لم تقصر يوما في دعمنا، ولعل الدعم السخي الذي وعدت به الإمارات مؤخرا لخير دليل على أهمية التواصل مع تلك الدول.

4 ـ لقد تعرضت اللغة العربية وبقية لغاتنا الوطنية لظلم كبير، وكان المستفيد الوحيد من ذلك الظلم هو اللغة الفرنسية التي تتراجع مكانتها عالميا وبشكل ملحوظ، وهو الشيء الذي جعل بعض بلدان العالم تتخلى عن اللغة الفرنسية لصالح اللغة الانجليزية، وتبقى تجربة رواندا في هذا المجال هي التجربة الأبرز والأكثر إغراءً.

المضحك المبكي هنا هو أن المعارضة التي تعودنا منها أن تنتقد النظام على كل كبيرة وصغيرة، لم يُعرف عنها أنها انتقدته في مسألة تهميش اللغة العربية، ولم يسجل في تاريخ البرلمان الموريتاني أن نائبا معارضا تقدم بسؤال شفهي عن تهميش اللغة العربية في الإدارة أو في البرلمان، وذلك على الرغم من تعدد وتنوع الأسئلة الشفهية التي طرحها نواب المعارضة خلال السنوات الأخيرة. بل أكثر من ذلك فقد تعودنا من المعارضة أن تقف ضد الإصلاحات الخجولة التي قد يقوم بها النظام في هذا المجال، وفي هذا الإطار فقد جاء البيان السريع الذي أصدره مؤخرا حزب التكتل. نفس الشيء كان قد حدث في وقت سابق خلال مناسبة مشابهة مع حزب تواصل.

في الثامن عشر من ديسمبر من العام 2010 خلدت بلادنا اليوم العالمي ليوم اللغة العربية تخليدا لائقا، وكانت تلك هي المرة الأولى التي يتم فيها تخليدا بذلك المستوى،وفي ذلك اليوم تعهد الوزير الأول حينها بتطوير اللغة العربية، وقد قال بأن موريتانيا ستبقى بلدا ناقص السيادة، ما لم يتم الاعتناء باللغة العربية، وجعلها لغة إدارة وعمل. أحدث ذلك التصريح ضجة كبيرة وأقام القيامة في هذه البلاد ، فأصدرت الأحزاب السياسية بيانات التنديد والاستنكار، وكادت الأمور أن تخرج عن السيطرة في جامعة نواكشوط التي شهدت مناوشات عرقية. كل تلك الأحداث دفعت بوزير التعليم العالي حينها إلى زيارة الجامعة على عجل، وكان الهدف الوحيد من تلك الزيارة هو أن يؤكد  معالي الوزير لطلاب جامعة نواكشوط ولكل الموريتانيين بأن الحكومة لا تفكر إطلاقا في تعريب الإدارة، وبأنه لا مساس بالوضع القائم.

بعد تلك الضجة التي كانت مفتعلة في بعض جوانبها أخذ التمثيل الرسمي في يوم اللغة العربية  يتراجع ويتقلص إلى أن اختفى تماما في العام 2015، فمن وزير أول في العام 2010، إلى وزير، إلى أمين عام لوزارة، إلى مستشار، إلى لا شيء في العام 2015 . هذا على العكس مما كان يحدث مع يوم اللغة الفرنسية والذي كان يتم تخليده سنويا بأسبوع كامل لا بيوم واحد، وتتم رعاية الأنشطة المخلدة لذلك الأسبوع من طرف كبريات مؤسساتنا “الوطنية”.

ما أشبه الليلة بالبارحة

لا تختلف هذه الضجة الحالية عن ضجة 2010، فالغرض من هذه الضجة هو التراجع عن التزام إدارة الجمعية الوطنية بتوفير الترجمة الفورية للغاتنا الوطنية، وذلك حتى تبقى اللغة الفرنسية هي المسيطرة في الإدارة والبرلمان. سيتم تحريف ما جاء في المادة 61، وستتم  شيطنة رئيس البرلمان، وذلك من أجل شحن الرأي العام ضد هذه الإصلاحات التي ستستفيد منها لغاتنا الوطنية، ذلك هو ما تقوم به الآن إذاعة فرنسا الدولية وبعض الأحزاب والحركات والشخصيات السياسية.

لنقف معا ضد ذلك، وعلينا أن نشكل ظهيرا للجمعية الوطنية التي مررت هذه الإصلاحات التي تأخرت كثيرا.

شخصيا وعلى الرغم  من اختلافي الكبير مع رئيس البرلمان الموريتاني، فإني لن أتردد في الوقوف معه ضد هذه الهجمة الحالية التي تهدف إلى بقاء الحال على حاله، وذلك حتى تبقى اللغة الفرنسية هي اللغة المسيطرة في البرلمان وفي الإدارة، وهو ما يعني ـ عمليا ـ استمرار تهميش لغتنا الرسمية ولغاتنا الوطنية.

حفظ الله موريتانيا..


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى