آراء وتحليلات

سُلطة السلف ووهم الماضي الصالح / سيد المختار عالي

لا تكمن الإشكالية في مفهوم «السلف الصالح» من حيث هو إحالة إلى جيلٍ سابق، وإنما في انتقاله من مفهومٍ تاريخي إلى سلطةٍ معرفية وأخلاقية تُغلق باب النقد باسم التقدم في الزمن.
فالسلفية، حين تُفهم باعتبارها مجرد رجوع إلى السابق، تفترض ضمنًا أن الاقتراب من البدايات اقترابٌ من الحقيقة، وكأن الزمن الأول كان أكثر صفاءً بالضرورة من الأزمنة اللاحقة.
غير أن هذه المقدمة تحتاج إلى مساءلة فلسفية؛ فالسبق الزمني لا ينتج فضيلة، كما أن التأخر الزمني لا ينتج فسادًا، وإلا أصبح التاريخ نفسه معيارًا للحقيقة بدل أن يكون مجالًا لاختبارها.
إن الإنسان لا يُصبح صالحًا لأنه صار «سلفًا» بالنسبة إلى من يأتي بعده، وإلا فإننا نحن، بما نحمله من أخطاء واختلالات وتناقضات، سنغدو يومًا ما سلفًا لأحفاد أحفادنا، وربما أعادوا بناء صورتنا على نحوٍ أكثر نقاءً مما كنا عليه.
وهنا ينكشف الطابع النسبي للمفهوم: فـ«السلف» ليس جوهرًا ثابتًا، بل علاقة زمنية تتغير بتغير موقع الناظر في التاريخ.
أما «الصلاح» فلا يمكن أن يكون أثرًا آليًا للزمن، بل حكمًا قيميًا يتطلب معيارًا يتجاوز مجرد السبق واللحوق.
ومن ثم فإن تقديس الماضي قد يتحول إلى نوع من الاغتراب الزمني؛ إذ يستمد الإنسان يقينه من زمنٍ لم يعشه، ويضعف ثقته في قدرته على إنتاج المعنى في الزمن الذي يعيش فيه.
وفي هذه الحالة لا يعود الماضي ذاكرةً تستنير بها الجماعة، بل يتحول إلى سلطةٍ تراقب الحاضر وتدين أسئلته قبل أن تفهم شروطه.
والأخطر أن استدعاء «السلف الصالح» قد يُستعمل أحيانًا لإضفاء المشروعية على قراءاتٍ معاصرة، ثم تُنسب تلك القراءات إلى الماضي لتكتسب حصانةً نقدية ليست لها في ذاتها.
وهكذا لا يعود الماضي هو الذي يتكلم بالضرورة، بل يتكلم الحاضر أحيانًا بلسان الماضي، ويمنح تأويلاته سلطةً إضافية بمجرد إسنادها إلى السلف.
والتمييز المنهجي هنا ضروري بين النص والتاريخ، وبين الوحي وفهم البشر له، وبين قيمة التجربة التاريخية وتحويل أصحابها إلى نماذج معصومة من الخطأ.
فاحترام السلف لا يعني تعطيل النقد، كما أن نقد بعض ممارساتهم لا يعني إنكار فضلهم؛ إذ لا توجد جماعة بشرية خارج شروط التاريخ وحدود المعرفة البشرية.
ولذلك فإن العلاقة الناضجة بالماضي ليست علاقة عبادةٍ ولا قطيعة، وإنما علاقة حوار نقدي: نقرأه لكي نفهمه، ونفهمه لكي نميز ما فيه من قيم عابرة للعصور عما كان استجابةً لظروفه الخاصة.
إن المجتمع الذي يقدس ماضيه قد يجد نفسه عاجزًا عن إنتاج حاضره، لأن كل محاولة للتجديد تبدو له خروجًا على النموذج المؤسس، بينما المجتمع الذي يقطع مع ماضيه يفقد جزءًا من ذاكرته ومعنى استمراره.
والتوازن الحضاري إذن لا يكون باستبدال الحاضر بالماضي، وإنما بتحرير الحاضر من وهم أن الحقيقة قد اكتملت في زمنٍ مضى؛ فالسلف الذي يستحق الاحترام ليس من نضعه فوق التاريخ، بل من نقرأ تجربته داخل التاريخ، ثم نتحمل نحن مسؤولية أن نكون، بأعمالنا لا بادعاءاتنا، السلف الذي سيحكم عليه المستقبل.


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى