
لا هنّ بالسمان ولا هنّ بالعجاف / أحمد سيدي
إن الاحتفاء بمرور سبع سنوات من حكم الرئيس والنظام الحاكم حق مشروع لأنصارهما، كما أن مراجعة حصيلتها حق أصيل لمعارضيهما وللمجتمع. وبين الاحتفاء المطلق والرفض المطلق، تضيق -في كثير من الأحيان- مساحة التقييم الرصين.
اليوم، وقد انقضت سبع سنوات على تولّي الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني مقاليد الحكم في موريتانيا، تبدو الحاجة إلى قراءة هادئة أكثر إلحاحا من أي خطاب تعبوي أو شعبوي، سواء أكان خطابا يكتفي بتعداد المنجزات، أم خطابا لا يرى في التجربة كلها سوى التعثّر والفشل.
إن “الإنصاف” يقتضي الاعتراف بأن هذه السنوات لم تكن عادية في تاريخ المنطقة ولا في تاريخ العالم، كما يقتضي في الوقت نفسه ألا تتحول صعوبة المرحلة إلى ذريعة تبرر الفشل وتغطي على الإخفاق.
وتأسيسا على ما تقدّم، فإن ما تقرؤه -سيّدي القارئ- في هذه السطور ليس محاولة للاحتفاء بسبع سنوات من الحكم، ولا سعيا لتقديم مرافعة ضدها.. ما تطالعه هنا هو محاولة لقراءة تجربة سياسية كما هي؛ بإنجازاتها التي تستحق أن تُذكر، وبأخطائها التي تستحق أن تصحّح. وإن شئت قل إنها قراءة في حصيلة سبع سنوات، لا تنطلق من خصومة مع أحد، ولا من التزام بالدفاع عن أحد.
في مهب العواصف
لا تستقيم قراءة أي تجربة سياسية إذا اجتُثّت من سياقها، فالأنظمة بنتُ زمانها ومكانها، والسياسة فن الممكن، وقد شاءت الأقدار أن يأتي النظام الحالي في ظرف اجتمع فيه من الأزمات ما أربك دولا أكثر رسوخا، وأضخم عُدّة، وأوفر ثروة؛ فقد تزامنت مأموريته الأولى مع انتشار وباء كورونا، حيث تعطّلت الحركة، واضطربت الأسواق، وانقطعت سلاسل الإمداد، وانكمش الاقتصاد العالمي على نحو لم يشهد له العالم مثيلا منذ عقود. ولما انحسر الوباء وبدأ العالم يلتقط أنفاسه، دقت طبول الحرب الروسية الأوكرانية، معلنة بداية موجة جديدة من التضخم وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة. ثم جاءت أزمة هرمز والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
وغير بعيد منّا، كانت منطقة الساحل تموج بالاضطرابات والانقلابات، واتساع نشاط الجماعات المسلحة. ومع ذلك، خرجت البلاد من هذه الأعوام العصيبة محافظة على قدر معتبر من الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي، ولم تسقط في دوامة الفوضى التي ابتلعت غيرها. ومن أغفل هذه الظروف، أخطأ في تقدير التجربة قبل أن يخطئ في الحكم عليها، فسنوات الرخاء غير سنوات الشدة، ومن رام أن يقيسهما بمكيال واحد فقد جانب الصواب. وأحيانا تكون السلامة غنيمة في حدّ ذاتها، كما رضيَ الضّليل من الغنيمة بالإياب.
غير أن استحضار طبيعة المرحلة لا يعني إعفاء التجربة من النقد، ولا يسعف في تبرير الإخفاق وتسويق الفشل، وفي المقابل، لا تجبّ الأخطاء ما تحقّق منجزات.
منجزات ومكاسب
في حصيلة السنوات السبع ملفات يصعب إنكار ما تحقّق فيها، مهما اختلفت المواقف السياسية وتباينت زوايا النظر.. من بينها سعيُ النظام منذ وصوله إلى سدّة الحكم، إلى تهدئة المناخ العام، وفتح قنوات الحوار مع مختلف الأطراف، لتستعيد الحياة السياسية شيئا من سكينتها بعد أعوام من الاحتقان. وكان ذلك مكسبا للدولة قبل أن يكون مكسبا للمجتمع؛ إذ لا تستقيم إدارة الشأن العام في ظلّ خصومة تستنزف الجهد، وتبدّد الوقت، وتعمّق حالة الاستقطاب.
وامتد هذا النهج إلى السياسة الخارجية، فحافظت موريتانيا على قدر من التوازن في علاقاتها الإقليمية والدولية، وقاومت الكثير من الضغوط التي حاولت دفعها إلى الانخراط فيما بات يعرف بملف “اتفاقات أبراهام”.
أما على الصعيد الأمني، فقد بقيت الحدود في مأمن -نسبيا- من الفوضى التي ضربت بعض الدول المجاورة، واستمرت المؤسسة العسكرية والأمنية في أداء دورها بكفاءة وحكمة تستحق التقدير.
وشهدت شبكات الطرق والبنية التحتية توسعا ملحوظا، وإن شاب بعضها ضعف في الجودة والإتقان. كما يسجّل للنظام شروعه في تبني سياسات للتمييز الإيجابي في مجال التعليم، تستهدف توسيع فرص أبناء الفئات المهمّشة في الولوج إلى التعليم والاستمرار فيه، وهي خطوة تستحق الدعم والتطوير.
ولا أحسب أن هذه الملفات من قبيل التفاصيل التي يختلف الناس في تقديرها، فهي من أبرز ما تحقق خلال السنوات السبع الماضية.
عثرات ومآخذ
في مقابل هذه المكاسب، بقيت ملفات استعصت على المعالجة، وأخرى لم تبلغ فيها السياسات العامة ما كان مأمولا منها، فما تزال بعض الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها الماء والكهرباء، تؤرق المواطنين، وما تزال العاصمة نواكشوط بعد عقود من التوسع العمراني، عاجزة عن حلّ معضلة الصرف الصحي، حتى صار المطر الذي يُفترض أن يكون بشير خير، مناسبة تتجدد معها معاناة الناس.
وأخطر من ضعف الخدمات أن يضعف حضور الدولة في حياة الناس اليومية؛ وأن لا تشعر، مواطنا كنت أو زائرا، بأن الدولة حاضرة في الشارع، وفي السوق، وفي القرية، وفي المدينة. ثم لا يقع بصرك عليها إلا في نقاط التفتيش، حيث يخرج بعض من أوكل إليهم إنفاذ القانون عن مقتضى وظيفتهم، فيمدّون أيديهم إلى جيوب الناس، بدلا من أن يمدوها إلى تطبيق القانون، ويجعلون من الزي الرسمي وسيلة للابتزاز بدلا من أن يكون رمزا للهيبة والانضباط.
وأخطر من هذا وذاك أن لا يشعر كثير من الناس بأن القانون حاضر لينصف المظلوم، ويردع الظالم، ويعيد الحقوق إلى أصحابها. فإذا ضعف هذا الشعور، ضعفت هيبة الدولة، وإذا ضعفت هيبة الدولة احتكم الناس إلى ما يملكون من قوة أو نفوذ أو عصبية، وتلك أولى علامات انحسار الدولة.
ويزداد هذا القلق حين يمتد إلى ملفات أشد خطرا على المجتمع، كاتساع دائرة متعاطي المخدرات والمتاجرين بها، وبحبوب الهلوسة، والأدوية المزورة، والمواد الغذائية المنتهية الصلاحية التي تتسبب في انتشار أشكال مختلفة من الأدواء والأوبئة والسرطانات. ومما يبعث على الأسى أن تتكرر عمليات الضبط والمصادرة، بينما يبقى أثر الردع أقل من حجم الخطر، فتترسّخ لدى ضعاف النفوس قناعة بأن فرصة الثراء التي تتيحها هذه الممنوعات أكبر من حجم الخطر المترتّب عليها، ومما قد يلقاه المتورط فيها من عقاب.
ولا يختلف الأمر كثيرا في ملف الفساد والاختلاس المالي.. فقد كشفت تقارير محكمة الحسابات عن اختلالات جسيمة في تسيير المال العام، وسمّت المسؤولين عن تلك الاختلالات بأسمائهم وصفاتهم، وكان يجب أن تكون تلك التقارير فاتحة لمرحلة جديدة من المحاسبة، غير أن جلّ من ارتبطت أسماؤهم بها بُرّئوا مما نُسب إليهم، وكثير منهم عادوا إلى مواقع المسؤولية وكأن شيئا لم يكن.
ولعل أول سلاح نحتاج إليه في محاربة الفساد وحماية المال العام هو أن يتحول اختلاس المال العام إلى فضيحة ومعرّة، وأن يلقى من ثبتت خيانته للأمانة نوعا من القتل المعنوي، يعزله أخلاقيا واجتماعيا. أما أن يخرج محمولا على الأكتاف، تستقبله الزغاريد، وتسبقه إلى بيته قصائد التمجيد، فذلك إعلان صريح بأن المال العام لا حامي له.
وفي هذا السياق، يبرز ملف الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز بوصفه امتحانا لحقيقة العدالة.. ولا أسعى هنا إلى تبرئة الرجل، ولا أعترض على مبدأ المحاسبة، وإنما أشير إلى أن الجريمة إذا ثبتت اشترك في تبعاتها كل من كان طرفا فيها. أما أن يقف القانون عند رجل واحد، ويتجاوز شركاءه في القرار والتدبير، فإن ذلك يفتح بابا للتأويل، ويضعف الثقة في حياد العدالة.
وتلك في تقديري مسألة تستدعي معالجة سريعة؛ فحماية الحدود إنجاز، وتهدئة الساحة السياسية إنجاز، وتطوير البنية التحتية إنجاز، غير أن اكتمال مشروع الدولة يظل رهينا بترسيخ سيادة القانون، وصيانة المال العام، وتحسين الخدمات الأساسية، وإشعار المواطن بحضور الدولة في تفاصيل حياته اليومية.
ويظل الاستثمار في الإنسان الركن الذي تقوم عليه سائر الإصلاحات، فمن المدرسة يبدأ تكوين الأجيال، ومنها تنشأ المساواة الحقيقية بين الناس.. ولذلك تستحق سياسات التمييز الإيجابي في التعليم مزيدا من الدعم والتوسيع، لأنها تهيئ لأبناء الفئات الفقيرة والمهمّشة -بغض النظر عن عرقها- بداية عادلة، وتمنحهم أدوات المنافسة.
وتلك هي النقطة التي يقف فيها التمييز الإيجابي عند حدوده الطبيعية؛ فالتعليم يحقّق تكافؤ البدايات، أما الوظيفة العامة فهي أمانة تتعلق بحقوق الناس ومصالحهم، ولا يستقيم أمرها إلاّ بالكفاءة والأمانة، كما قال تعالى: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأمِينُ.
هنا تتجلى العدالة في معناها الأصيل؛ عدالة تفتح أبواب الفرص أمام الجميع، ثم تترك ميدان المنافسة للكفاءة والاجتهاد. وبذلك يطمئن الضعيف إلى أن ظروفه لن تحول بينه وبين التعليم، ويطمئن المجتمع إلى أن مصالحه يتولاها الأكفأ، بعد أن تُغلق منافذ الوساطة والمحسوبية.
وختاما أقول: لقد أثبتت السنوات السبع الماضية أن موريتانيا قادرة على حماية حدودها، وتهدئة ساحتها السياسية، وإدارة أزماتها الإقليمية. وما تحتاجه في السنوات المقبلة هو أن تثبت، قدرتها على الانتصار في معركة الداخل: معركة العدالة، ومحاربة الفساد، والإدارة الرشيدة.
أحمد سيدي
أديب وكاتب صحفي


