آراء وتحليلات

الإفراج عن المدانين في قضايا التطرف: بين الفرصة والمخاطرة / يوسف حرمة بابانا

يثير قرار الإفراج عن بعض المدانين في قضايا التطرف والإرهاب نقاشاً مشروعاً حول جدوى المراجعات الفكرية وبرامج إعادة الإدماج، وهو نقاش ينبغي أن يظل بعيداً عن الانفعال وقريباً من منطق الدولة والمجتمع. فقد أثبتت التجارب الدولية أن المقاربة الأمنية وحدها، رغم ضرورتها، لا تكفي دائماً لمواجهة ظاهرة معقدة كالتطرف، كما أثبتت أن المراجعات الفكرية لا تحقق النجاح بمجرد إعلانها أو توقيع وثائقها، بل بقدرتها على إحداث تحول حقيقي في القناعات والسلوك، وبتوفير شروط الاندماج الاجتماعي والاقتصادي بعد الإفراج.

السؤال الحقيقي ليس: هل نعفو أم لا نعفو؟ بل: كيف نضمن أن يتحول العفو إلى فرصة للاستقرار بدل أن يصبح مصدر قلق جديد؟ فمن حق الدولة أن تعتمد ما تراه مناسباً من سياسات لحماية الأمن الوطني، ومن حق الرأي العام أن يعرف المعايير والضمانات التي تحكم هذه القرارات، فالشفافية هنا لا تضعف الدولة بل تعزز الثقة في مؤسساتها.

وفي هذا السياق أستحضر تجربة شخصية تعود إلى بدايات عملي الصحفي عندما أسست وكالة أنباء أطلس وأصدرت صحيفة “المشعل”. يومها تلقيت اتصالاً من السجن من الخديم ولد السمان، وكان يتحدث بهدوء واحترام، وعرض عليّ نشر كتاب كان يعمل عليه آنذاك. وصلتني أجزاء من ذلك الكتاب عبر وسطاء، وقمت بنشر عدد من فقراته. لم تكن تلك التجربة مجرد عمل صحفي بالنسبة لي، بل كانت مناسبة للتأمل في قدرة الحوار والكلمة على الوصول إلى حيث تعجز أحياناً الوسائل الأخرى، ومنذ ذلك الوقت ترسخ لدي اقتناع بأن مواجهة التطرف لا تكون فقط بالحزم الأمني، وإنما كذلك بفتح أبواب المراجعة الفكرية الجادة وإعطاء الفرصة لمن يثبت صدق تحوله للعودة إلى المجتمع مواطناً صالحاً ومنتجاً.

غير أن نجاح هذه المقاربة يبقى رهيناً بوجود معايير واضحة ومتابعة مستمرة وبرامج حقيقية للإدماج الاجتماعي والاقتصادي، لأن المجتمع لا يحتاج إلى مجرد الإفراج عن الأشخاص، بل يحتاج إلى ضمان اندماجهم الإيجابي ومنع عودة أسباب الانحراف والتطرف. وفي ظل التحولات المتسارعة التي تعرفها منطقة الساحل، فإن نجاح أي سياسة لإعادة الإدماج سيُقاس مستقبلاً بقدرتها على إنتاج مواطنين مندمجين في المجتمع لا مجرد أشخاص غادروا السجن، فالمعركة ضد التطرف ليست أمنية فقط، بل هي أيضاً معركة فكر وتنمية وعدالة وأمل.

يوسف حرمة بابانا
رئيس حزب التجمع من أجل موريتاني


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى