ثقافة

لكي نفهم الأدب (27) الأستاذ: محمدو سالم ولد جدو

بحروف معدودة صادرة عن خيال مجنح قد تُحَوِّلُ كيمياء الشعر داعي الخجل إلى مفخر ومحمدة مدعومة ببراهين تصل إلى حد الإقناع أو تقاربه! من ذلك أن علي بن الجهم سجن وأهين في الشاذياخ (نيسابور بخراسان) إلى أن صُلب عاريا على رؤوس الأشهاد فقال:
لم ينصبوا بالشاذياخ صبيحة الـ ** إثنين مغمورا ولا مجهولا
نصبوا بحمد الله ملء عيونهم ** شرفا وملء صدورهم تبجيلا
ما ازداد إلا رفعة بنكوله ** وازدادت الأعداء عنه نكولا
هل كان إلا الليث فارق غيله ** فرأيته في محمل محمولا
لا يأمن الأعداء من شداته ** شدا يفصل هامهم تفصيلا
ما عابه أن بُزَّ عنه لباسه ** فالسيف أهول ما يرى مسلولا
إن يبتذل فالبدر لا يزري به ** أن كان ليلة تمه مبذولا!
(بنكوله: بعقوبته، أو بقيوده. نكولا: إحجاما).
ولو كان المصلوب الأخطل أو غيره من نصارى الشعراء لربما زاد فتعزى بما يعتقده من صلب المسيح عيسى عليه السلام!

ومنهم (أعني الشعراء عموما) من يُحَوِّلُ داعيَ الشفقة والعطف إلى داع للمدح والإشادة، كالشاعر نجم الدين يحيى الموصلي حين زار بهاء الدين الإربلي فوجد جسمه يرتعد بتأثير حمى النافض فأنشد:
لله حمّاكَ التي ** كست حشاي الولها
هل سألتكَ حاجةً ** فأنتَ تهتزّ لها؟!

ومنهم (وهذا أحسن عندي) من يشير إلى مرامه ويترك لك الباقي، كعبد الله بن المعتز في قوله:
وكان ما كان مما لست أذكره ** فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر!

يكثر القسم الأخير في الأدب الحساني، ومن أجمل أمثلته قول المرحوم أحمدُّ بن الحسن ابن متالي:
لِ نَوْبَ وَانَ في الطَّرْبَ ** نِمْشِ وانْوَلِّ مَا نِمْشِ
گدِّ بعْدْ آنَ في الطُّلْبَ ** يتْنَهْوَلْ ذاك اَلَّ عَن شِ!

واسمحوا لي بوضع خط تحت عبارة “ما نمش” تقديرا لإضافتها النوعية الموفقة.


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى