ثقافة

وأشتاق للبرق اليماني إذا بدا../ يستحق القراءة

جرت عادة العرب غالبا أنها تنسب لليمن ما نحا نحو الجودة والرقة والتأثير، فمن ذلك قولهم مثلا “البرد اليماني” و”البرق اليماني” و”النجم اليماني” و”الخرز اليماني” و”العضب اليماني”، وفي نثر الدر أن عبد الله بن العباس قال لبعض اليمانية: لكم من السماء نجمها، ومن الكعبة ركنها، ومن السيوف صميمها يعني سهيلا من النجوم، والركن اليماني، وصمصامة عمرو بن معدي كرب.
ولا غرابة إذا نسب لليمانيين ما كان بديعا رقيق الحاشية؛ فهم أهل الحكمة والإيمان وهم أرق الناس أفئدة وألينهم قلوبا كما صح في الصحيحين.

البرد اليماني
والبرد اليماني هو أجود الثياب وكان النبي صلى الله عليه وسلم يلبسه، ففي صحيح البخاري عن قتادة عن أنس، قال: قلت له: أي الثياب كان أحب إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يلبسها؟ قال: «الحِبَرَةُ»، والحبرة كما قال القسطلاني في الإرشاد والحافظ في الفتح: برد من برود اليمن وكانت أشرف الثياب عندهم.
وفي أمالي المرتضى لأبى جويرية العبدي:
إذا اهتز في البرد اليماني
خلته
هلالا بدا فى جانب الأفق يلمح
يزيد على فضل الرجال فضيلة
ويقصر عنه مدح من يتمدح.
وضرب المثل بنسج اليمن في الجودة، قال ابن مالك في الألفية:
والأصل سبق فاعل معنى كمنْ
من ألبسنْ من زاركم نسج اليمنْ.
ولذي الرمة:
به ملعب من معصفات نسجنه
كنسج اليماني برده بالوشائع.
والبرد اليماني يبلى الدهر وهو جديد لجودة نسجه، قال أبو الأسود الدؤلي:
كثوب اليماني قد تقادم عهده
ورقعته ما شئت في العين واليد.
قال التبريزي في شرح الحماسة: كخلق البرد اليماني في الثياب، وقد قدم عهده، أي معهوده، وإذا مسسته أو نظرت إليه وجدت رقعته زائدة على كل رقعة دقة ومتانة، ومنظره راجحا على كل منظر حسنا وجودة.

الخرز اليماني
ومما ينسب لليمن مما جاد وحسن: الخرز اليماني، قال امرؤ القيس في معلقته:
فأدبرن كالجزع المفصل بينه
بجيد معم في العشيرة مخول
والجزع: الخرز اليماني كما قال الزوزني في شرح المعلقات.

الرمل اليماني
وأهل اليمن أهل رقة وشوق -كما ذكر سابقا- وربما حنوا لرملهم، فقد أنشد القالي في أماليه لرجل من بنى كلاب:
تحن إلى الرمل اليماني صبابة
وهذا لعمري لو رضيت كثيب
فأين الأراك الدوح والسدر والغضا
ومستخبر عمن تحب قريب
هناك تغنينا الحمام ونجتني
جنى اللهو يحلولى لنا ويطيب.

البرق اليماني
وقد أرَّقهم البرق اليماني فقال شاعرهم:
فإني لأرعى النجم حتى كأنني
على كل نجم في السماء رقيب
وأشتاق للبرق اليماني إذا بدا
وأزداد شوقا إن تهب جنوب.
ومنه أبيات العامري المشهورة:
ألا يا سنا برق على قلل الحمى
لهنَّك من برق علي كريم
لمعت اقتذاء الطير والقوم هجع
فهيجت أحزانا وأنت سليم
فبت بحد المرفقين أشيمه
كأني لبرق بالستار حميم
فهل من معير طرف عين خلية
فإنسان عين العامري كليم
رمى قلبه البرق اليماني رمية
بذكر الحمى وهْنًا فكاد يهيم.
وإشارته في قوله “فإنسان عين العامري كليم” مشهورة معروفة، واقتذاء الطير: فتحها عيونها وتغميضها كما في لسان العرب.

النجم اليماني
قال شاعر قريش عمر بن أبى ربيعة:
أيها المنكح الثريا سهيلا
عمرك الله كيف يلتقيان
هي شامية إذا ما استهلت
وسهيل إذا استهل يماني.
قال الزبيدي في التاج: وسهيل: نجم يماني، عند طلوعه تنضج الفواكه.
وما أحسن قول عبد الله بن الدمينة:
ذكرتك والنجم اليماني كأنه
وقد عارض الشعرى قرين هجان
فقلت لأصحابي ولاحت غمامة
بنجد ألا لله ما تريان
قفا لا نرى برقا تقطع دونه
من الطرف أبصار لهن روان
أفي كل يوم أنت رام بلادها
بعينين إنساناهما غرقان..
إذا اغرورقت عيناي قالت صحابتي
إلى كم ترى عيناك تبتدران..
ألا فاحملاني بارك الله فيكما
إلى حاضر الماء الذي تردان
فان على الماء الذي تردانه
غريما لواني الدين منذ زمان.

العضب اليماني
قال الشاعر:
وأذرب من حد السنان لسانه
وأمضى من العضب اليماني المشطب.
وقال النابغة الجعدي:
فمن يك سائلا عني فاني
من الفتيان أيام الخنان
مضت مائة لعام ولدت فيه
وعام بعد ذاك وحجتان
وقد أبقت صروف الدهر مني
كما أبقت من الذكر اليماني.
وقد عمر النابغة؛ قال القاضي في الشفا: وقال للنابغة لا يفضض الله فاك.. فما سقطت له سن وفي رواية فكان أحسن الناس ثغرا .. إذا سقطت له سن نبتت له أخرى وعاش عشرين ومئة وقيل أكثر من هذا. وهو آخر الصحابة موتا بأصبهان كما ذكر السخاوي في فتح المغيث على ألفية الحديث.

محمدن ولد امد


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى