آراء وتحليلات

المحكم والمتشابه في القرآن الكريم: بين وضوح الهداية و عمق الابتلاء / احمد محمد حماده

حين نتأمل بنية الخطاب في القرآن الكريم، لا نجد نصًا يسير في اتجاه واحد من حيث الوضوح أو الغموض، بل نكتشف توازنًا دقيقًا بين آياتٍ محكمات تشكل الأساس، وآياتٍ متشابهات تفتح آفاق التدبر. وقد أشار النص نفسه إلى هذه الثنائية في قوله تعالى: “هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ…”، في تأكيد واضح أن هذا التنوع مقصود لذاته، لا عرضيًّا في بنيته.
وقد وقف العلماء قديمًا عند هذا التقسيم، فبيّن محمد بن جرير الطبري في جامع البيان عن تأويل آي القرآن أن المحكم ما عُرف تأويله وفُهم معناه، والمتشابه ما استأثر الله بعلمه أو احتمل وجوهًا متعددة، وهو تعريف يضع أساسًا واضحًا للفهم. وذهب فخر الدين الرازي في مفاتيح الغيب إلى أن المتشابه هو ما لا يُدرك على وجهه إلا بدليل خارج عنه، بخلاف المحكم الذي يستقل بالدلالة، مما يعكس عمق المعالجة العقلية لهذا المفهوم.

المحكم في القرآن هو العمود الفقري للمعنى، وهو الذي تُبنى عليه العقائد وتُستمد منه الأحكام. حين يقرأ المؤمن قوله تعالى: “قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ” أو “وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ” أو “وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰ”، فإنه يقف أمام خطاب مباشر لا يحتمل الالتباس، خطاب يحدد له بوضوح ما يجب أن يعتقده وما ينبغي أن يفعله. هنا تتجلى وظيفة البيان في أقصى درجاتها: إزالة الغموض، وإقامة الحجة، وتوجيه السلوك. وقد لخّص بدر الدين الزركشي في البرهان في علوم القرآن هذه الفكرة بقوله إن المحكم ما لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا، والمتشابه ما احتمل أوجهًا، وردّ بعضه إلى بعض سبيل الراسخين في العلم.

غير أن هذا الوضوح لا يلغي وجود مستوى آخر من الخطاب، هو المتشابه، الذي لا يُراد به الإبهام بقدر ما يُراد به توسيع أفق الفهم. ففي آيات مثل: “الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ” أو “يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ”، يقف العقل عند حدود الإدراك البشري، ليدرك أن ثمة معاني تتجاوز قدرته على الإحاطة الكاملة. وكذلك في الحروف المقطعة مثل: “الم”، التي تظل سرًّا مفتوحًا على التأمل، لا على القطع. وفي هذا السياق، يبيّن جلال الدين السيوطي في الإتقان في علوم القرآن أن المحكم أصل يُرجع إليه، والمتشابه يُحمل عليه، وهو منهج يحفظ توازن الفهم ويمنع الانزلاق في التأويل.

وهنا تتجلى الحكمة العميقة من هذا التقسيم. فلو كان النص كله محكمًا، لتحول إلى خطاب تقريري جامد، لا يترك مجالًا للاجتهاد أو التفاعل العقلي. ولو كان كله متشابهًا، لفقد وظيفته في الهداية، ولأصبح بابًا للاضطراب والتأويل المفتوح. لكن الجمع بينهما يخلق توازنًا فريدًا: يقينٌ في الأصول، ومساحةُ تفكرٍ في الفروع. وقد أشار محمد عبد العظيم الزرقاني في مناهل العرفان في علوم القرآن إلى أن وجود المحكم والمتشابه من دلائل الإعجاز، إذ يجمع بين وضوح الهداية وعمق الابتلاء.

كما أن المتشابه ليس مجرد ميدان للفكر، بل هو أيضًا ميدان للابتلاء. فهو يكشف عن طبيعة المتلقي: هل يتعامل مع النص بروح الباحث عن الحقيقة، أم بروح الباحث عما يوافق هواه؟ فمن ردّ المتشابه إلى المحكم، واتخذ من الواضح ميزانًا للفهم، اهتدى إلى المعنى المتوازن. أما من تتبع المتشابه ابتغاء الفتنة، فقد حمّل النص ما لا يحتمل، وانحرف عن مقصده. وفي هذا الإطار، يوضح مناع القطان في مباحث في علوم القرآن أن الحكمة من المحكم والمتشابه هي اختبار العقول والقلوب معًا.

وفي هذا السياق، لا بد من التذكير بأنّ التدبّر في القرآن الكريم لا يتحقّق بمجرد القراءة العابرة، بل يحتاج إلى جملةٍ من المؤهلات التي تصوغ عقل القارئ وقلبه معًا. في مقدّمة هذه المؤهلات صفاء النيّة، بحيث يكون القصد هو الهداية لا الجدل، ثم سلامة اللغة العربية التي تمكّن من تذوّق الدلالة الدقيقة للألفاظ، إلى جانب معرفةٍ أوليّة بسياقات النزول وعموم المقاصد الشرعية. كما يتطلّب التدبّر عقلًا منفتحًا منضبطًا، يجمع بين التفكير والتحفّظ، فلا يتعجّل الأحكام ولا يُسقِط أهواءه على النص، بل يردّ المتشابه إلى المحكم ويستضيء بالواضح لفهم ما استغلق. ولا يقلّ عن ذلك أهمية حضور القلب، لأن التدبّر ليس فعلًا ذهنيًا صرفًا، بل تفاعل وجداني يُثمر خشوعًا وتأثرًا، ويحوّل المعنى من مجرد فكرة إلى سلوك. وقد عبّر محمد عبد الله دراز في النبأ العظيم عن هذا البعد بقوله إن التنوع في البيان القرآني أسلوب تربوي يقود العقل إلى البحث والقلب إلى الإيمان.

وفي امتداد هذا المنهج، يبرز النموذج العلمي للمحاظر في موريتانيا، حيث ظلّ العلماء يتعاطون مع المحكم والمتشابه ضمن منظومة تعليمية أصيلة تقوم على التدرّج والانضباط. فالتعليم المحظري لا يقدّم هذه القضايا في عزلة، بل يربطها بعلوم اللغة وأصول الفقه والتفسير، بحيث يُدرّس المحكم باعتباره الأصل الذي يُبنى عليه الفهم، بينما يُتناول المتشابه بحذر علمي، عبر ربطه بأقوال العلماء وردّه إلى المحكم. ويعتمد هذا النظام على الحفظ أولًا ثم الفهم، فيبدأ الطالب بحفظ النص قبل الولوج إلى تفسيره، وهو ما يرسّخ لديه تمييزًا عمليًا بين الواضح والمحتمل. كما أن التلقي المباشر عن الشيوخ يمنح هذا التعاطي بعدًا تربويًا، يمنع الانزلاق إلى التأويل غير المنضبط، ويغرس في الطالب روح التواضع العلمي والالتزام بالمنهج.

وقد تجلّى هذا المنهج بوضوح في أعمال علماء الشناقطة، حيث يؤكد محمد الأمين الشنقيطي في أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن أن القرآن يفسّر بعضه بعضًا، وأن المتشابه لا يُفهم إلا في ضوء المحكم. كما درج علماء المحاظر على التحذير من الاستقلال بالمتشابه، وهو ما عبّر عنه محمد سالم ولد عدود في دروسه، حيث شدّد على ضرورة ردّ المتشابه إلى الأصول المحكمة حتى لا يكون مدخلًا للزلل في الفهم. ويُروى عن بداه ولد البوصيري تأكيده أن ضبط الأصول هو أساس العلم، وأن من لم يُحكم المحكم

أضلّه المتشابه. وفي السياق نفسه، يبيّن الشيخ محمد الحسن ولد الددو أن الراسخين في العلم هم الذين يجمعون بين التسليم للنصوص وفهمها في ضوء كلياتها، فلا يجعلون المتشابه أصلًا في الاعتقاد، بل يردّونه إلى المحكم. كما يظهر في منهج الشيخ محمد الحافظ ولد المختار التأكيد على التدرّج في الفهم، بإحكام الواضح أولًا قبل الخوض في دقائق المسائل، وهو ما يعكس عمق المدرسة الشنقيطية في الجمع بين ضبط العلم وأدب التلقي.

إن وجود المحكم والمتشابه في القرآن الكريم يعكس فلسفة تربوية متكاملة، تُعلّم الإنسان أن يجمع بين اليقين والتواضع؛ بين ما يعلم وما يجهل؛ بين حدود العقل وآفاق الإيمان. فالمحكم يثبّت، والمتشابه يربّي، وكلاهما يؤدي دورًا في بناء إنسانٍ واعٍ، لا يكتفي بالحفظ، بل يسعى إلى الفهم، ولا يركن إلى الفهم، بل يظل مفتوحًا على مزيد من التدبر. ويؤكد يوسف القرضاوي في كيف نتعامل مع القرآن العظيم أن المنهج الصحيح هو ردّ المتشابه إلى المحكم وفهم القرآن في ضوء كلياته.

وهنا يبرز سؤال يتجاوز حدود التفسير إلى عمق التجربة الإنسانية: هل نتعامل مع النص بحثًا عن الهداية، أم بحثًا عمّا يؤكد قناعاتنا المسبقة؟ ذلك هو الميزان الحقيقي الذي تتحدد به علاقتنا بهذا الكتاب، وتنكشف به حكمة المحكم والمتشابه قي آن واحد.


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى