لكي نفهم الأدب.. (2) الأستاذ: محمدو سالم ولد جدو
من النصوص الأدبية التي يتوقف فهمها على “قرينة خارجية” بلغة الأصوليين قول محمد بن عبدون:
ألا في سبيل اللّهو كأس مدامةٍ ** أتتنا بطعم عهده غير ثابت
حكت بنت بسطام بن قيسٍ صبيحةً ** وأمست كجسم الشّنفرى بعد ثابت
وإذا كان من الواضح أن قوله: “أتتنا بطعم عهده غير ثابت” يدل على عدم الثبات على حال فإن فهم كنه هذا التغير يتوقف على معرفة اسم بنت بسطام وحال جسم الشنفرى بعد ثابت المذكورين في البيت الثاني.
تسمى بنت بسطام بن قيس الصهباء، وجسم الشنفرى أشار إلى حاله في القصيدة التي يقال إنه رثى بها خاله ثابت بن جابر (تأبط شرا) بقوله:
فاسقنيها يا سواد بن عمرو ** إن جسمي بعد خالي لخلّ
(أي نحيل).
وإذن فالخمر كانت تتغير بسرعة فتصير خلا، وهو ما يفسره غياب المصانع ووسائل الحفظ لدى الأقدمين.
وقد ولج بيت ابن عبدون المحاظر الموريتانية منذ قرون، حيث يستخدمه المشايخ لإفهام قول خليل في باب الطهارة: “وخمر تحجر أو خُلِّلَ”.
***
يقول امحمد بن انگذي (الأعور):
والله الَّ وخيرت بيك ** يالدار الِّ معهودَ
للجَّوْدَ يلِّ ما ايجيك ** مادِرْ ما نِعْدَ جَوْدَ!
تخفي جودة الحوك وعبارات المدح البراقة هنا هجاء ثأريا قد يفهم من ذكر مادر الذي يبدو اسمه نشازا في المدح، ولكن لا ينتبه إلى حقيقته إلا من عرف قصة الگاف.
قبل حوالي ثلاث عشرة سنة من انصرام القرن الميلادي العشرين حدثتني سيدة من مسنات الفئة الفنية أخشى -“بقرينة خارجية”- أن يكون في ذكرها الآن حرج لبعض محيطها (وهي محرم لي من الرضاعة) بمنزل آل ابراهيم ابن امحمد بالعاصمة الاقتصادية أن امحمد (الأعور) سافر في نجعة فنية (وكان يطول مثل هذا السفر عادة) فمر في طريقه – وقد حان المقيل- بحي لم يرحب به فتعداه بعد اليأس، ولم يسر غير قليل حتى وجد حيا آخر رحب به وأكرم مقيله حتى أبرد فارتحل، ومكث ما اقتضته مهمته ثم عاد إلى أهله، وفي مروره بمنطقة الحيين اجتهد في أن يكون نزوله بمكرميه، ليفاجأ بأنهم رحلوا بعده وحل الآخرون محلهم!
هب المضيفون (الذين يبدو أنهم عرفوا هوية من أهانوا بعد ما حدث) يتداركون ما فات، وبالغوا في إكرام الأعور؛ لكن هذا لم يزد على مدح دار السابقين ولم ير في الإكرام الطارئ إلا عدوى انتقلت منها إلى نازليها.
والله الَّ وخيرت بيك ** يالدار الِّ معهودَ
للجَّوْدَ يلِّ ما ايجيك ** مادِرْ ما نِعْدَ جَوْدَ!

