
أحمد سالم ولد لكبيد يكتب:
لا احد يتصور أن موريتانيا تريد الحرب مع مالي لأن الحرب مع هذه الدولة الافريقية الشقيقة الجارة لا معنى له ولا مبرر ولا مسوغ وحسبها ما هي فيه من ويلات الحرب والفتنة والعياذ بالله..
ومالي، هي الأخرى، لا شك أنها لا تريد الحرب مع موريتانيا لنفس الاعتبارات ولما هي عليه من اقتتال وانهاك وضعف وتمردات وعجز الدولة عن السيطرة على أغلب مناطق البلاد ..
وحتى الدول الصناعية الغنية عاجزة اليوم عن تكلفة الحروب فماذا عن دولتين فقيرتين من دول الساحل..!؟
عندما تعقدت العلاقات والأمور بين مالي وبوركينافاسو في سنة 1985 بسبب نزاع حدودي على شريط اغاشر bande d’Agacher وقررتا الحرب سمتها الصحافة العالمية يومئذحرب الفقراء guerre des pauvres..!
وبلغ الرئيسان موسى تروارى وتوماس سانكارا أقصى ما يمكن من التشنج والغضب ولكن في المحصلة لم تستطع الدولتان مواصلة الحرب لأكثر من خمسة أيام فخزينتاهما والواقع التنموي والاقتصادي في البلدين وعدم توفرهما على منفذ بحري، لا يسمح بالحرب بأكثر من ذلك ونجحت الوساطة والتهدئة بينهما بسرعة وسهولة..وحلت المشكلة في الاخير بمحكمة العدل..بتقسيم الشريط بين الدولتين وهو ما كان عليه الاتفاق أصلا..!
إن الإنسان المالي الأصيل لديه نوع من تضخم الذات والكبرياء وربما يكون ذلك بسبب التاريخ الملكي للشعب المالي في المنطقة والأشعار والحكايات التي تروى على عزف العود الإفريقي وتشنف أذنيه..!
قررت مالي والسنغال في سنة 1959، إنشاء فيدرالية بينهما مثلت حلما جميلا لشبيبة البلدين، ولكن عمر هذا الإتحاد ـ الحلم لم يبلغ من العمر إلا شهرين فقط بسبب التباين الأيديولوجي العميق بين سنغور وموديبو كيتا وانتهى بمحاصرة وحدة من الجيش المالي من طرف وحدة من الدرك السنغالي، ولأسباب لوجستية تتعلق أساسا بالإمداد، طلب موديبو النجدة والتدخل والوساطة وانتهت الأزمة وطويت قصة الإتحاد التي أزعج بها الانفصاليون المتطرفون عندنا المختار ولد داداه كثيرا..
برأيي أنه من الصعب على الرئيس الغزواني بطبيعته المسالمة وتربيته الغظفية أن بستدرجه العقيد عاصيمي غويتا لتصرفات غير محسوبة العواقب، نظرا لفارق السن بينهما ونظرا لاختلاف التجربة ونظرا إلى أن غويتا عندما ولد في سنة 1983 كان ولد الغزواني برتبة نقيب..!
ولكن للصبر حدود واغويتا تجاوز الخطوط الحمراء وفوق الحمراء وتحت الحمراء.. وقام نظامه باستفزازات مقيتة كإغلاق محلات التجار الموريتانيين وتهديد أسرة أهل الشيخ حماه الله في نيور ودخول العسكر والمرتزقة القرى الموريتانية في أرض مالي وقتل بعض المنمين عليها..شيء فظيع ولا يطاق..وكان آخرها تعطيل بعض هوائيات الإتصال..!
ومما زاد الطين بلة أن جناحا بانا افريقيا ظهر في الظرفية المتازمة في مالي يدعو لقطع العلاقة بالمستعمر الفرنسي واحياء القومية الافريقية..
وركب بعض حميرنا الشهب من التيار الانفصالي المتطرف موجة هذا الحراك البانا أفريقي ووجهوا الإنتباه والسهام السامة إلى بلادنا كدولة ابارتيد من العرب/البربر متحالفة مع الاستعمار تشكل خطراً على المنطقة..!
سبحان الله هذه نفس أغنيتهم القذرة في السنغال سنة 1988 التي أدت لتلك الكوارث المعروفة ومنها أزمة 1989..
لقد تذكرت البارحة بيت المتنبي:
وماذا بمصر من المضحكات
ولكنه ضحك كالبكا..!
وأنا أتابع بعض الحوارات والتدوينات لماليين في داخل بلادهم وخارجها.. يعلقون على كلام والي الحوض الغربي وقصة دخول باماكو في ضحوة..
البعض يستغرب أن موريتانيا وهي أضعف ألف مرة من مالي تهدده بالاجتياح..منتهى الاستغراب..!
والبعض يرى أن تجرؤ الوالي على أن يقول هذا الكلام هو أن موريتانيا والجزائر والغرب بينهم الآن تحالف ونية مبيتة لغزو مالي واحتلاله..!
والبعض يرى أن الحرب الدائرة في مالي هي مواجهة تاريخية بين العنصر العربي/البربري ممثلا في سكان أزواد والجزائر ومالي في مواجهة العنصر الزنجي في مالي..منتهى السخافة، لأنه لا إشارة لحركة ماسينا والحركات الجهادية ومشاكل مالي الداخلية..!
والغريب أن هؤلاء المحللين والمعلقين، وشتان ما بينهم واللواء الدويري، يتصورون الحرب نزهة ومقطعا موسيقيا تقليديا، ويحسبون بالبعد الديموغرافي ومعطيات تافهة على كوكل..!
ما كان على هؤلاء أن يحكوا هكذا لو حسبوا ما تحتاجه كتيبة واحدة من الجيش المالي اي 120 رجلا تقريبا، للانخراط في العمليات، من سيارات رباعية قوية ومراكب وكازوال وتوفير اعاشة الجنود وشرابهم وذخائر وأسلحة ووسائل إتصال وطرق إمداد وصهاريج وشاحنات نقل ووسائل إسعاف..وو..وو.. ناهيك عن تعويض الخسائر من قتلى وجرحى وعربات ..الخ.
في يناير 2013، سيطرت الحركات المتمردة على شمال مالي وهزمت الجيش رغم تفوقه العددي الكبير في فترة وجيزة، ولولا عملية سرفال الجوية الفرنسية لدخلت الحركات الازوادية باماكو ..في ضحوة..!
في الحقيقة السخافات لا حد لها والاستفزازات لا حد لها، ولكن كما قلت للصبر حدود..والسكان الموريتانيون على الحدود لم يعد لديهم صبر ولا تحمل، وربما يكون هذا سبب كلام الوالي الذي ينم عن الشعور بالحرج والضغط الشعبي..
وعلى كل حال أنا متأكد من شيء واحد: هو أن دوريات الجيش المالي إذا دخلت الأرض الموريتانية واضرت بديك واحد في إحدى القرى الموريتانية سيتلقى اغويتا “غمزية” حرشه..
وبالمناسبة، اتعجب شخصيا لأمر هذا القائد الانقلابي الشاب، فقد قطع العلاقة بالغرب ودول الاكواس والجزائر ويحاصره المتمردون من شعبه على متن الدراجات النارية البسيطة مما يدل على ضعفه ويقطعون خطوط إمداداته ويعتمد في حماية كرسيه على المرتزقة الروس ويترصد به ضباطه للانقلاب عليه وقام بحل الأحزاب لشدة عزلته السياسية، ومع هذا يتحدى دولة المرابطين ظلما وعدوانا..!
العقيد المتقاعد احمد سالم ولد لكبيد

