الأخبار

رمضان كما عشته (29) الأستاذ: محمدو سالم ولد جدو

في الخامسة والعشرين من سنواتي ثبت هلال شوال في صدر الليل إثر يوم شديد، فلم أبال بالشرب ما دمت سأصبح مفطرا وإنما نمت لأستريح.
أنا في حي بدوي بمثابة العائلة الواحدة، يقيم قرب الجديدة في خيم بين الصوف والقماش، وفيه “امبار” واحد، وكوخ واحد هو المسجد. ومن عادتي أن أنام مع إحدى ذوات محرمي حبا في شخصها الكريم ثم في خلو بيتها من الأطفال، خصوصا وأنها تكره النوم بمفردها وبعلها غائب رحمه الله.
رأيت (في نومي على ما يبدو) أني جئت متاعا مكوما خلف إحدى الخيام (وكان موجودا في الحس) وبدأت أبحث فيه، ولا أدري ماذا وجدت فيه ولا ما اختلست، إلا أني فوجئت بخروج سيدة البيت لإصلاح السرادق! رأتني كما أنا فسألتني مرتين أو ثلاثا، وأدركتُ أنها تريد أن تسمع صوتي فتتثبت مني؛ لذا حرصت على أن تخلو إجابتي من الكلام، لكنها دعت ابنتيها لمساعدتها فيما تقوم به فخرجتا إليها، وأنا أدرك في سري أنها إنما أرادت الاستعانة بهما في التعرف علي!
وانتهى الحلم الغريب وأنا أجري بعد فعلتي النكراء وأرى مصباحين على أثري، أحدهما في يد رب البيت المغدور والثاني في يد أخيه (رحمهما الله) ولا أدري كيف تسنى لي أن أعرف ذلك في الظلام وأنا أمعن في الهرب.
جلست في فراشي والدنيا تدور بي وما زلت أرى بصيص الضوء وأسمع أصوات المطاردين، لم أستطع أن أفهم شيئا فخرجت ونظرت.. الناس نيام ولا حركة من أي نوع وأنا مع قريبتي المذكورة! وأشعر بالعطش. نظرت في ساعتي فإذا الثانية ليلا. أمضيت وقتا غير مصدق بأن الأمر حلم.
دخلت فأيقظت مضيفتي – حفظها الله- وطلبت منها أن تسقيني قبل أن أقترف جريمة أكبر فهبَّتْ مستعلمة وسقتني وأنا أقص عليها ما رأيت في نومي فلم تتمالك أن ضحكت عدة دقائق.
أشرق الصبح فنهض الناس يتصرفون في شؤونهم ومنهم من يسأل عن باعث الضحك “آخر الليل” لدى آل فلان، وأنا غير مصدق بأن لا أحد يعلم ما أعلم في نفسي، بل أمضيت مدة أتحاشى الرجلين يقينا مني أن ما حدث كان حقيقة، وأنهما طارداني بالفعل. وأكثر من ذلك كانت المرأة – رحمها الله- من أشد الناس بعدا عن المآخذ، وعاشت بضع عشرة سنة بعد هذا وأنا آخذ عليها في نفسي التشهير بي ودعوة ابنتيها – حفظهما الله- لتشهدا علي متلبسا بأخس جرم أتصوره.


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى