ظرافات وظرفاء (63) / الأستاذ: محمدو سالم ولد جدو
في عام 1995 مررت بغسال قرب العيادة المجمعة فلبست ثوبا نظيفا وتركت لديه الذي كنت أرتديه بغية غسله. مكثت مع الرجل دقائق في حديث خفيف ثم خرجت إلى محطة النقل الواقعة جنب عيادة الطبيب عبد الله بن أوفى رحمه الله، وهناك أرشدني المشرفون – كعادتي وإياهم- إلى الباص المرتقب انطلاقه فحللت في مقدمته، وبعد ثوان بدأ الركاب التوافد عليه فانطلق بنا.
سائق الباص رجل شهم صار صديقا لي بواسطة زميل له من أصدقائي، وقد وجدت صعوبة في التعامل معه جراء رفضه اقتضاء الأجرة مني وإصراري على ذلك، وتوصلت وإياه إلى تسوية تقضي بأن لا يقتضي الأجرة مني شخصيا، وأن لا يرفض أجرة من رافقني أو تحملت حقه عليه من أصدقائي ومعارفي وأقاربي.
أثناء الطريق نزل من مؤخرة الباص شخصان أو ثلاثة من معارفي فنبهت المحصل إلى أني المعني بأجرة ركوبهم فطرق مؤخرة الباص بعنف مؤذنا بالانطلاق، وعندما وصلنا إلى ممثلية “ميتسي بيشي” نزلت فلوح السائق لي مودعا وانطلق دون أن يمنحني فرصة لقضاء المحصل عن معارفي.
قطعت الشارع إلى المنزل بعرفات، وبعد قليل أردت إرسال صبي لشراء شيء من المتجر القريب فلم تلج يدي جيب دراعتي إلا بصعوبة بتأثير الصمغ! لقد أخرجت محتوى جيبي (وفيه نقودي) من التي تركت للغسال ولكني نسيت وضعه في التي لبستها من عنده فبقي هناك إلى أن عدت إليه بعد ذلك.
هنا أدركت الحرج الذي أنقذني منه كرم الرجل فازداد تقديري إياه.
في الفترة ذاتها كانت لي جارة أدمنت نشرات MBC ومسلسلاتها المدبلجة، ويقال – والله أعلم- إنها لا تفقه ما يدور فيها وإنما ينحصر أربها في قيافة الممثلين والمذيعين وتشبيههم بالأفراد والقبائل في موريتانيا.
لم تكن خدمة الكهرباء قد وصلت إلى حينا فكانت المرأة تعتمد في تشغيل تلفزيونها على بطارية سيارة، وكانت بطاريتها كبيرة وثقيلة، وأماكن شحن البطاريات على مسافة منها، ولم يكن شحنها جيدا؛ لذا لجأت إلي سائلة عما يمكن أن أغني عنها في هذه الملمة، فأجبتها بأن لي صديقا ومعارف من أصحاب الباصات التي تنقل بين الرياض وقلب العاصمة وبإمكاني تسليم بطاريتها إلى أحدهم ليثبتها في سيارته عدة ساعات حتى يتم شحنها دون غش، ويأخذها من منزلها ويعيدها إليه فترتاح من عناء نقلها على العربات وشحنها المغشوش، فارتاحت ودعت لي وأكدت علي أن أفعل ذلك، وفي الصباح عرجت بأحد معارفي إلى باب المرأة فعرف منزلها واستلم بطاريتها بعد ما أوضح لها أنه لن يجد الوقت لإعادتها إليها إلا في الليل بعد نهاية عمله؛ ولكن شحنتها ستدوم أياما، فوافقت المرأة دون تردد، وثبَّتَ الرجل البطارية وانطلق، وانطلقت أنا إلى حال سبيلي.
وفي نحر الظهيرة عدت موغرا، فلم ألبث أن أرسلت الجارة ابنتها إلي تريد البطارية بإلحاح كما لو كانت مودعة عندي! ومن أصعب الأشياء علي الخوض في تحصيل الحاصل وإجابة أمثال هذا مما جانب العقل. لم أجد جوابا أبلغ من الصمت والنهوض إلى الطريق المعبد بحثا عن صاحبي ثم الركوب إلى محطة النقل قرب العيادة المجمعة بعد ما علمت أنه بها، ومن هناك استلمت البطارية فوضعتها في أول باص منطلق وكابدت جرها في المسافة بين الطريق وبين منزل المرأة (حوالي 100م) فثقلها وخطورة محتواها على الثياب لا يسمحان بحملها؛ وبعد محاولات غير مجدية وضعت كمي في عروة البطارية وأقبلت أجرها بجهد جهيد حتى أوصلتها إلى ربتها التي لم تكن مسرورة بما فعلت لأن “مسلسل ديزير” فاتها.
خرجت مرهقا من رحلة خسرت فيها دراعتي التي صار كمها غربالا نتيجة لمس الحامض (أسيد) نادما على ما فات عازما أن لا أعود.
