ثقافة

ظرافات وظرفاء (59) الأستاذ محمدو سالم ولد جدو

وقف “الرجل” ليصافحني فاستبانت الحقيقة دون تحفظ؛ إنه يرتدي دراعة مراهق، ولم تكن تبدي في جلوسه شيئا من جسمه – لغير المتأمل مثلي- فلما وقف تقلصت إلي قرب منتصف فخذيه. يبدو أنه قريب عهد بوثاق أثّر في ساقيه وزنديه، فمواضعه تنز بالصديد الذي يتهافت عليه الذباب والهمج (إتيت) دون مبالاة منه، ويبدو كذلك أنه جن حديثا لقرب عهده بالسراويل كما تدل عليه شدة ابيضاض خط دقيق بمعقد إزاره وآثار تكاميش ثوبه. (سروال اكشاط).
صافحت الرجل بيدين (بحكم التعود) رغم اتضاح حقيقته، فأمسك بيمناي وحدق فيّ باهتمام كأنما ينظر إلى باطن جسمي أو يحاول رؤية ما ورائي من خلالي كما يفعل الأطفال مع الزجاج العاكس. وبعد التحديق انفجر ضاحكا وقال: إلاه عنك بيهَ اصه!
قلت باستغراب: هي شنهي؟
قال: إلاه عنك بيهَ اوتوف!
ودار الحديث بيننا في حلقة مفرغة على هذا النحو، إلى أن كسرها بالقول: كلبتي (محفظة جيبي) التي سرقتَ البارحة عند آل فلان! (وسمى بيتا مشهورا لم يسبق لي أن زرته) وإذا لم تكن تحسب أني رأيتك فقد رأيتك، وها قد أمسكت بك ولن تبرح حتى تعطينيها.
لم أملك محفظة جيب ولم أرغب فيها إلا في ذلك الموقف؛ فلو كانت لدي محفظة لسلمتها باغتباط – مهما كان محتواها- إلى الرجل للفكاك من قبضته الحديدية.
لم أجب شيئا من كلامه بعد ما سبق فواصل الكلام معي قليلا ثم انشغل بالحديث مع نفسه في مونولوج من أغرب الكلام. وفي أثناء ذلك كان يجول بخطو وئيد في أرجاء الحفرة التي ساقني إليها حظي العاثر، وإذا آثاره تغطي أغلبها؛ مما دلني على أنه مقيم بها من أكثر من يوم.
كان يمسك يمناي بيمناه؛ وهو ما جعل ظهري إلى وجهته فوجدت صعوبة في مسايرته لذلك، فكنت أمشي على جنبي لأرى ما هو أمامي (بل أمام المجنون على الأصح) وعلمت أن بقائي ربما يطول فدققت النظر في حظيرة اليتوع علي أرى ماء وضعه آسري لأسأله الشرب منه عند الاقتضاء، ثم استسخفت الشرب من آنيته، وشعرت بالغثيان من مجرد التفكير في ذلك.
في النهار قد أسايره ولكن المشكلة أن الجولان تحت الشمس في يوم خريفي يجعل من الحتمي ارتكاس صحتي التي لما تكتمل، فماذا يفعل الله بي في الليل إذا وقعت مريضا تحت رحمة مجنون!
كان تفكيري يدور في هذا الاتجاه بينما كان حديث المجنون يدور في اتجاهات أخرى، وتتخلله ضحكات تؤكد استراحة من لا عقل له. وأثناء ذلك سكت مرة أو مرتين كأنما يرصد صوتا أو صورة، وبعد قليل أحسست بما أحس به؛ صوت أشخاص قادمين! شعرت بفرح وأده الانتباه إلى أن طريق أصحاب الصوت قد لا يكون علينا ولن يروني إلا إذا مروا بحفرتي التعيسة، وحتى لو حاذوني فصحت بهم لربما هاج صاحبي (وهو من أكمل الناس خَلْقًا وأقواهم) فضربني ضربة تودي بي – أو تشرف بي على ذلك- قبل وصولهم.
واصلت مسايرة قائدي باستسلام منتظرا فرجا غير مضمون، إلى أن طلع علينا ثلاثة شبان مسلحين بعصي غليظة لا تدع شكا في مقصدهم تسايرهم امرأة يحمل أحدهم طفلها. نظروا إلي فقال أحدهم ساخرا: “يا ويل واحد أمسكه فلان!” (وسماه) فلما استبنت منهم عدم المبالاة دعوتهم إلى أن لا يتركوني كما أنا، فعرج أحدهم ونهر المجنون آمرا بإرسالي فلم تكن جدوى ذلك إلا تشديد قبضته على يدي حتى حسبتها ذابت، ثم آزره الفارغ من صاحبيه فلما رأى منهما الجد والحزم دفعني حتى كدت أسقط قائلا: “هاكوه ينسخُ مَصَيْرْگُ!”.
خرجت من الحفرة مسرعا ما دام القوم فيها كي لا يعيد المجنون القبض علي، ومررت بالمريض فسلمت عليه دون إبطاء ثم اتجهت إلى قرية أخرى وجه أحد سكانها دعوة إلي وإلى آخرين فألفيته مستاء من تأخر وصولي فلما أخبرته بالسبب عذرني باستحقاق.. وكان الموضوع طرفتنا في ذلك اليوم الذي ابتسم بعد تجهم.


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى