آراء وتحليلات

الأرشيف الوطني ..تاريخ شعب وذاكرة أمة / أحمد أبات

عرفت الحضارات القديمة منذ ظهور الكتابة صنوفا متعددة من التوثيق الأرشيفي فقد كان السومريون مثلا يرتبون نصوصهم وسجلات محفوظاتهم داخل سلال من ورق الصفصاف او داخل اكياس من الجلد ..ومع مرور الزمن تطور الأرشيف  وازدادت أهميته خصوصا في عصرنا الحالي حيث تجاوز دوره التقليدي في جمع المعلومة والحفاظ عليها وإتاحتها لشركائه إلى دور الفاعل والمؤثر في محيطه من خلال أنشطة مراكز الأرشيف في تثمين الوثائق المحفوظة لديها على شكل معارض وإصدارات وغيرها من الأنشطة.

بين رفوف الوثائق

كان الجو صحوا ونسمات الرياح الخفيفة تداعب الاشجار القديمة المحيطة بمبنى الأرشيف، صور من شخصيات وأحداث كثيرة تراءت لي وأنا اخطو خطواتي الأولى داخل مبنى الأرشيف في رحلة إلى الماضي ، في القاعة الأمامية صور قديمة ترسم لوحة لتاريخ هذا الشعب وعلى الجدران صور لمعاهدات ومراسلات وأحداث شهيرة، وفي القاعة الداخلية رفوف ممتدة لملايين الوثائق يحار المرء من أين يبدا فيها  فهذه فتاوي أحمد باب التمبكتي بشأن الرق من عام 1023 هجرية وتلك وثيقة معاهدة بين الوالي الفرنسي بروسار وممثل الامير بكار في 5 سبتمبر 1853 وفي مكان آخر رسائل الشيخ ماء العينين ولد الشيخ محمدفاضل وفتاوي الشيخ سيدي باب..وغيرها من الوثائق النادرة.

وكغيرها من المستعمرات الفرنسية في غرب افريقيا عرفت بلادنا الأرشيف مبكرا حيث تعود  تعود فكرة إنشائه إلى قرار أتخذه الوالي الفرنسي يوم 01 يوليو 1903 ينص على إنشاء مستودع أرشيفي لجميع المستعمرات الفرنسية في غرب افريقيا، وفي 26 يناير 1944 أصبح الأرشيف الموريتاني تابعا للمعهد الفرنسي لافريقيا السوداء (IFAN) بدکار ثم الحق بعد ذلك بفترة قصيرة بمصالح حاكم موريتانيا بمدينة سانت لويس السينغالة، ومع تحضيرات الاستقلال الداخلي صدر المقرر 278 بتاريخ 15 يوليو 1958 المنشئ لمصلحة الأرشيف والمحدد لمهامها ونظامها والتي أستمرت حتى عام 1968 حيث صدر المرسوم رقم    68/294 بتاريخ 15 اکتوبر 1968 والذي تحولت بموجبه هذه المصلحة  إلى مديرية للوثائق الوطنية ملحقة بالأمانة العامة للرئاسة ثم الحقت فيما بعد بالأمانة للحكومة، وفي  6 نوفمبر 2020 صدر المرسوم رقم 195 /2020 الذي بموجبه اصبحت مندوبية عامة  وهو مالم يدخل حيز التنفيذ بعد.

مهام الأرشيف الوطني

بموجب المرسوم المنشئ لهذه المديرية فقد أنيطت بها مسؤولية : < صيانة جميع الوثائق والمستندات أيا كان تاريخها أو طبيعتها أو شكلها أو حاملها والتي أنتجت أو جرى تسلمها من طرف الأشخاص الطبيعيين أو المعنويين أو من قبل الهيئات العمومية والخصوصية في إطار عملها الإداري > بالاضافة إلى مهام أساسية أخرى من بينها حفظ الوثائق وتصنيفها ونشرها واستخدامها لغايات إدارية وتاريخية …

 

أقسام الأرشيف

 

حدد المرسوم رقم 294 /68 أقسام الأرشيف وضوابط التحويل فيما بينها :

– الأرشيف الجاري :

وهو المرحلة الأولى من الأرشيف، ويتكون  من الملفات التي مازالت في طور التداول الإداري وتستمر هذه المرحلة حتى 5 سنوات من إغلاق الملف.

– الأرشيف الوسيط :

ويتكون من الملفات التي لم تعد مستخدمة ولكنها مازالت في حوزة الإدارة ولما يتم تحويلها إلى مديرية الوثائق.

– الأرشيف التاريخي :

ويتكون من الملفات التي تمت إحالتها إلى مديرية الوثائق لتحفظ بشكل نهائي ومن ضمنها كما يحدد القانون المنظم :

* كافة الوثائق السابقة على سنة 1960.

* کافة الوثائق التي يمكن أن تساعد في إحقاق حق.

* كافة الوثائق التي تمثل أو يمكن أن تكتسي أهمية تاريخية.

 

تتاح الوثائق المحولة للأرشيف (الأرشيف التاريخي ) للباحثين والجمهور إذا مضى على تاريخها خمسون عاما طبقا للاجراءات المنظمة مع مراعاة اختلاف مستويات السرية بين الوثائق،

فمثلا الملفات الصحية وتاريخ القبائل تصل آجال نشرها إلى 100 سنة .. وتبعا للمرسوم المنظم يمكن لرئيس الجمهورية أن يرخص في نشر وثائق مهما كان تاريخها او يمنع نشرها إذا كان نشرها يؤدي إلى الاضرار بشرف أفراد أوعائلات…

 

مقر الوثائق الوطنية

 

يقع مقر مديرية الوثائق الوطنية (الأرشيف الوطني) اليوم في بناية تعتبر هي الأقدم في العاصمة نواكشوط حيث يعود تاريخ تشييدها إلى عام 1959 ولها رمزية تاريخية كبيرة  فهي نفسها السقيفة التي تم تنظيم حفل الاستقلال فيها وعلى منبر داخلها لايزال موجودا وقف الرئيس المختار ولد داداه رحمه الله أمام جمهور كبير من ضمنه رؤساء دول وحكومات ووزراء وشخصيات…واعلن استقلال الجمهورية الإسلامية الموريتانية عن فرنسا يوم 28 نوفمبر 1960, وقد تم تصنيف هذا المبنى (السقيفة ) كترات تاريخي وطني وهو مايمنع إجراء اي تغييرات جوهرية عليه.

الأرشيف الوطني في أرقام

 

تصل مساحة مبنى الوثائق الوطنية 925 متر مربع ،

فيما يمتد المجال التاريخي للوثائق الموجودة فيه إلى القرن 15,

ويقدر المخزون  الأرشيفي المركزي ب 4500 متر خطي أي حوالي 25 طنا من الوثائق التي تشمل فتاوي علماء ومراسلات ومعاهدات واتفاقيات بين القبائل والإمارات ومعاملات مع البرتغاليين والأسبان والفرنسيين…بالاضافة إلى حوالي 500 م خطي كمعدل في كل ولاية وحوالي 300 م خطي في كل وزارة.

حوالي 100.000 صفحة ميكروفيلم مخزنة في اسطوانات قديمة.

اكثر من 4800 من الکتب والدوريات  والصحف والمذكرات الجامعية والعملات وقيم التبادل والطوابع البريدية والموسوعات والخرائط ومئات الجوازات والاوسمة والاختام ، وجميع أعداد الجريدة الرسمية من الخمسينات وإلى اليوم وجميع أعداد جريدة الشعب، فضلا عن لوحات المعارض المتنقلة ذات الصلة بالذاكرة الإدارية والتاريخية

وهذا مايعني في مجمله ملايين الوثائق في غاية الأهمية.

 

وحول الوضعية الراهنة للأرشيف الوطني وآفاقه المستقبلية يقول السيد الدكتور محمدالمختار بن سيدي محمد الهادي مدير الوثائق الوطنية : 《 لقد عانت الوثائق الوطنية من صعوبات تتعلق بالجوانب المجتمعية والمؤسسية اهمها :

– عقلية المجتمع البدوي المعتمدة على الثقافة الشفوية.

عدم عناية بعض الإداريين بالأرشيف ونظرتهم له على أساس أنه عبئ على المكاتب .

– قدم النص القانوني والبنية الإدارية للوثائق وعدم ملائمتها للتطور الحاصل في ميدان الأرشيف.

– انقطاع التحويل المنتظم للوثائق والمستندات منذ بعض الوقت بسبب ضيق المخازن وعدم ملائمتها.

– تقاعد أغلب الأطر والفنيين المتخصصين في السنوات الأخيرة وعدم تعويضهم بآخرين.

– النقص في بعض المستلزمات الفنية.

ورغم هذه المعوقات والصعوبات السالفة الذكر يقول الدكتور محمد المختار بن سيدي محمد الهادي مدير الوثائق الوطنية تمكنا في الأرشيف الوطني من :

– حماية الأرشيف وفهرسته وتصنيفه.

– توثيق واقتناء كل ماينشر عن موريتانيا في الداخل والخارج وتوفيره للباحثين.

– تقديم المشورة للقطاعات الحكومية والمؤسسات في مجال الأرشيف.

– استقبال الباحثين الوطنيين والاجانب وتوفير المصادر لهم طبقا للاجراءات المعمول بها.

– إقامة دورات ومعارض في المناسبات الوطنية والدولية.

– ربط علاقات وعقد اتفاقيات مع الهيئات المختصة في الأرشيف في المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان وتونس والجزائر والسينغال، و المغرب، فرنسا ومالي وتركيا وبنين.

ومع مراجعة الإطار القانوني والهيكلة الإدارية للأرشيف الوطني لتمكينه من القيام بالمهام المنوطة به بعد تحويله إلى مندوبية عامة سيتم بناء وتجهيز مقر للأرشيف الوطني في مقاطعة تفرغ زينه وقد روعي في المقر الجديد الحرص على تأمين مبنى الأرشيف وضرورة تمكين الباحثين من ولوجه، كما تم وضع خطة كفيلة باسترجاع الوثائق الموريتانية الموجودة في بعض الدول العربية والافريقية والاوربية  مثل :(السينغال، مالي المغرب، فرنسا…).

 

ويرى كثير من الباحثين أن الخطوات التي يزمع الأرشيف الوطني تنفيذها والتي من أهمها انتقاله إلى مقر جديد مستقل يسهل الولوج إليه  ويوفر الخدمات التي يحتاجونها واسترجاعه لبقية الأرشيف الوطني المشتت بين مصالح الأرشيف في بعض الدول ستكون ان تمت دفعا قويا للبحث نظرا لما يحويه مخزونه الأرشيفي من نفائس  المخطوطات والوثائق بمختلف أشكالها.


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى