ثقافة

في رثاء الشيخ محمد الحسن ولد أحمدو الخديم

أَحْزَانُك الْيَوْمَ لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ ** كَادَتْ تُذِيبُكَ لَوْلَا الزَّفْرُ وَالْعِبَرُ

أَنْكَرْتَ مِنْ حَضْرَةِ “التَّيْسِيرِ” عَتْمَتَهَا ** هَذَا الرَّبِيعُ فَيَا لِلْقَوْمِ مَا الخَبَرُ؟!

عَهْدِي بِهَا فِي لَيَالِي النُّورِ زَاهِرَةً ** فِيهَا لِكُلِّ مُحِبِّي المُصْطَفَى وَطَرُ

فِيهَا المُحِبُّ المُجَلِّي سَيِّدِي حَسَنٌ ** تَعْلُو عَلَى وَجْهِهِ الأَنْوَارُ وَالبُشَرُ

تَحُفُّهُ نُخَبٌ شَتَّى مَشَارِبُهُمْ ** عَلَى المَحَبَّةِ لَا كَأْسٌ وَلَا وَتَرُ

عِيدٌ تَلَاقَى قُلُوبُ العَاشِقِينَ بِهِ ** عَلَى اشْتِيَاقٍ مَدَى الأَيَّامِ يُنْتَظَرُ

يُحْيُونَ ذِكْرَى لَيَالِي المُصْطَفَى سَمَرًا ** يَا حَبَّذَا ذِكْرُهُمْ لِلَّهِ وَالسَّمَرُ

بِاللَّهِ هَلْ وَدَّعَ “التَّيْسِيرُ” بَهْجَتَهُ ** وَغَادَرَ الحَيَّ ذَاكَ الأَزْهَرُ النَّضِرُ

بِاللَّهِ بِاللَّهِ أَيْنَ المُرْتَضَى حَسَنٌ ** مَنْ هُوَّ لِلْعَائِذِينَ العَوْنُ وَالوَزَرُ

مَنْ كَانَ كَعْبَةَ قُصَّادٍ مُعَاوَدَةٍ ** وَلِلْأَرَامِلِ وَالأَيْتَامِ يَنْتَصِرُ

إِنْ كَانَتِ الأَرْضُ قَبْلَ الشَّيْخِ مُجْدِبَةٌ ** فَقَدْ ثَوَى فِي ثَرَاهَا البَحْرُ وَالمَطَرُ

وَقَدْ تَدَفَّقَ جَفْنُ المُزْنِ وَانْسَكَبَتْ ** دَمْعًا يُطَاوِلُ عَيْنًا طَبْعُهَا الخَفَرُ

بَكَاهُ مَغْرِبُ أَرْضِ اللَّهِ فَاكْتَأَبَتْ ** أَقْطَارُهَا وَاعْتَرَاهَا الهَمُّ وَالكَدَرُ

وَكَمْ عِبَارَاتِ مَدْحٍ بَعْدَهُ هُجِرَتْ ** فَلَيْسَ يَحْمِلُهَا مِنْ بَعْدِهِ بَشَرُ

قُولُوا وَجَارُوهُ بِالأَمْدَاحِ كَاذِبَةً ** تَأْبَى المَعَالِي وَيَأْبَى اللَّهُ وَالأَثَرُ!!

لَقَدْ تَشَابَهَتِ الأَفْلَاكُ سَارِيَةً ** كُلَّا وَيَسْرِي مُضِيئًا وَحْدَهُ القَمَرُ

لَمَّا رَحَلْتَ بِزُهْدٍ لَا نَظِيرَ لَهُ ** مِدْنَا وَمَادَتْ بِنَا وَاسْتُشْعِرَ الخَطَرُ

أَمَّا العُلُومُ فَقَدْ خَلَّفْتَهَا كُتُبًا ** وَنُخْبَةً عُلَمَاءَ القُطْرِ تَشْتَهِرُ

وَفِي البَنِينَ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعْزِيَةٌ ** فَقَدْ قَفَوْكَ وَطَابَ الغَرْسُ وَالثَّمَرُ

لَكِنَّ فَقْدَكَ لَا شَيْءٌ يُعَوِّضُهُ ** فَإِنَّكَ السَّمْعُ فِي الأَرْجَاءِ وَالبَصَرُ

عِلْمٌ عَلَى وَرَعٍ زُهْدٌ يُوَجِّهُهُ ** خَوْفٌ مِنَ اللَّهِ فِيهِ الحُبُّ وَالحَذَرُ

مَا أَكْثَرَ العِلْمَ دُونَ الخَوْفِ فِي زَمَنِي ** وَالعِلْمُ مِنْ دُونِ خَوْفٍ كُلُّهُ ضَرُرُ

يَا سَيِّدَ المَعْشَرِ الزُّهَّادِ مَعْذِرَةً ** كُلُّ البِلَادِ إِلَيْكَ اليَوْمَ تَعْتَذِرُ

لَمْ تُعْطَ حَقَّكَ لَكِنْ نِلْتَ تَكْرِمَةً ** بِأَنَّكَ الفَخْرُ إِنْ بِالعِلْمِ نَفْتَخِرُ

حَقٌّ عَلَيْنَا إِذَا نَرْجُو العُلَا أَبَدًا ** تَقْدِيمُ مِثْلِكَ لَوْلَا الكِبْرُ وَالبَطَرُ

لَوْ كَانَ مِثْلُكَ مَوْجُودًا لَلُذْتُ بِهِ ** لَمْ يَحْوِ مِثْلُكَ لَا وَبَرٌ وَلَا مَدَرُ

هَذَا الذَّكِيُّ بِجِدٍّ نَالَ مَرْتَبَةً ** فِيهَا لِكُلِّ مُرِيدِ المَجْدِ مُعْتَبَرُ

مَا رَدَّهُ عَنْ غِمَارِ العِلْمِ مُجْتَهِدًا ** -تَبَارَكَ اللَّهُ- أَدْوَاءٌ وَلَا كِبَرُ

كَانَتْ عَلَاقَتُهُ بِاللَّهِ صَافِيَةً ** لَمْ تَحْوِهَا فَتْرَةٌ كَلَّا وَلَا خَوَرُ

أَمَّ العُلُومَ جَمِيعًا وَهُوَ بَعْدُ فَتًى ** وَأَمَّهُ النَّاسُ حَيْثُ الفَتْحُ وَالظَّفَرُ

الفِقْهُ صَنْعَتُهُ وَالنَّحْوُ مِهْنَتُهُ ** وَالرَّأْيُ فُتْيَاهُ لَوْ لَمْ يُوجَدِ الأَثَرُ

الشَّاعِرُ الفَذُّ لَوْلَا الجِدُّ يَشْغَلُهُ ** لَبَزَّ مَنْ حَضَرُوا شِعْرًا وَمَنْ غَبَرُوا

نَافَتْ عَلَى مِائة ٍ كُتُبٌ مُنَقَّحَةٌ ** كَأَنَّهَا دُرَرٌ فِي طَيِّهَا دُرَرُ

حَقًّا سُيُوطِيُّ هَذَا العَصْرِ مُجْتَهِدٌ **
تَمَّتْ لَهُ آلَةٌ لَكِنَّهُ القَدَرُ!!

المَنْطِقِيُّ الَّذِي رَقَّتْ مَشَارِبُهُ ** فَأَرْهَفَ الحِسَّ وَانْسَابَتْ لَهُ الفِكَرُ

إِلَى الحَقِيقَةِ يَمْضِي سَالِكًا سُبُلًا ** عُبُورُهَا دُونَ شَرْعٍ وَاضِحٍ وَعِرُ

فَسَارَ فِيهَا وَعَيْنُ اللَّهِ تَحْرُسُهُ ** مُؤَيَّدًا وَبِأَمْرِ اللَّهِ يَأْتَمِرُ

وَقَرَّبَ العِلْمَ تَقْرِيبًا وَيَسَّرَهُ ** فَطَابَ لِلرَّاغِبِينَ البَحْثُ وَالنَّظَرُ

اللَّهُ أَعْطَاهُ إِفْهَامًا تَحَارُ لَهُ ** شَرْحًا تَوَسَّطَ لَا نَزْرٌ وَلَا هَذَرُ

لَانَتْ لَهُ لُغَةٌ عُلْيَا يُطَاوِعُهَا ** إِنْ هَزَّهُ قَلَمٌ صَمْصَامَةُ ذَكُرُ

عَرِّجْ بِدَارَتِهِ تُدْرِكْ بِأَنَّ لَهُ ** أُخْرَى هُنَاكَ لَهَا الأَثْقَالُ تُدَّخَرُ

مُحَمَّدٌ حَسَنٌ فِي كُلِّ مَنْقَبَةٍ ** جَلَّتْ مَحَامِدُهُ وَالحَصْرُ مُعْتَذِرُ

ارْحَمْ عِبَادَكَ بَعْدَ الشَّيْخِ إِنَّ بِنَا ** حُزْنًا تَصَدَّعَ مِنْ غَلْوَائِهِ الحَجَرُ

عَجِّلْ لَهُ رَبِّ جَنَّاتِ النَّعِيمِ قِرَى ** وَجَادَهُ مِنْ عَمِيمِ اللُّطْفِ مُنْهَمِرُ

يَلْقَاهُ أَحْمَدُ فِي وَفْدٍ تَخَيَّرَهُ ** فِيهِ الصِّحَابُ وَفيه السَّادَةُ النَّفَرُ

وَاخْلُفْهُ فِي الْأَهْلِ خَيْرًا نَطْمَئِنُّ بِهِ ** وَسَدَّ ثُلْمَتَهُ أبْناؤُهُ الغُرَرُ

وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ تُرَاثِ الشَّيْخِ أَنْصِبَةً ** مِنْ ضِمْنِهَا الزُّهْدُ وَالتَّدْرِيسُ وَالْعُمُرُ

صَلَاةُ رَبِّي عَلَى نُورِ الزَّمَانِ وَمَنْ ** مِنْ يُمْنِهِ نَفَحَاتُ الْخَيْرِ تَنْتَشِرُ

أحمد سالم زياد
الجمعة 4-09-2026


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى