ثقافة

لكي نفهم الأدب (41) الأستاذ: محمدو سالم ولد جدو

قد يعبر الشاعر عما يدور في زوايا نفسه القصية فينقل الإحساس على أمواج شعره إلى من يتلقاه ولو بعد حين، ويستحق بذلك ثناء وتقديرا وإعجابا.. لكنه قد ينقل إحساس غيره كما لو كان إحساسه! وهنا إما أن ينال إعجابا مساويا لناقل إحساس نفسه، وإما أن لا ينال أعجابا ولا تقديرا يذكران! وفي كلتا الحالين لا ينال حقه.
وليّ الدين يكن تقمص شخصية الأعمى في قصيدة له رأيتها رَأْيَةً يتيمة في طفولتي ضمن مقرر مغربي للسنة الرابعة من التعليم الأساسي، أيام كانت مقررات المغرب تسد الفراغ الهائل في الكتاب المدرسي هنا، وفيها نقل شعوره (شعور الأعمى) فياضا مؤثرا حينما قال:
رحم الله أعينا لم تشاهد ** منذ كانت إلا ليالي سودا
تتمنى لو فتحت فتملت ** من جمال الوجود هذا الشهودا
تتناجى حمائم الروض صبحا ** لا نراها ونسمع التغريدا
ويكون الربيع منا قريبا ** فنظن الربيع منا بعيدا
حين ترنو إلى الورود عيون ** ليت شعري كم تستطيب الورودا؟!
إنها لهفة الضرير يتنازعه المدرك والمغيّب، فيحوّل ما غاض من بصره إلى فائض في بصيرته ويشرع من أذنه ما يعوض ما أغلق القضاء من عينه. تجلى ذلك بعبقرية في قول الشاعر:
تتناجى حمائم الروض صبحا ** لا نراها ونسمع التغريدا
وبما أن قدر ذي العاهة أن يضعه مجتمعه حيث أراد المجتمع لا حيث أراد هو ويتعامل معه انطلاقا من ذلك، فالضرير الذي تقمصه الشاعر يقول عن نفسه وعمن على شاكلته بادئا بمن حوله:
أبويّ اللذين أوجدتماني ** أتريدان شقوتي؟ لن تريدا!
عشتما في ظلال شمل جميعٍ ** أنا وحدي وجدت شملي بديدا
وإذا كنت قد ولدت فقيدا ** ليتني كنت قد فُقِدتُ وليدا
ثم يوسع دائرة الخطاب ليقول:
سادتي إننا صبرنا امتثالا ** ما ضجرنا ولا شكونا الجدودا
فانظروا نظرة الكرام إلينا ** وارحموا أدمعا تخد الخدودا.


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى