
لكي نفهم الأدب (37) الأستاذ: محمدو سالم ولد جدو
لو أن من أوتي بسطة في القول هب يثني على حميد الخصال وكريم الشيم، ويثلب ذميم تلك ولئيم هذه، ويمدح من تحلى بالأولى ويقدح فيمن اتصم بالثانية لما أضاف جديدا، ولما وجد عينا رانية ولا أذنا مصيخة، مهما أبدع وأجاد، لأن تحصيل الحاصل غير مطلوب.
لكنه لو سبح ضد التيار فأثنى على المرض وأبدى ما يراه منافعه وذم الصحة وأبدى ما يراه مضارها – على سبيل المثال- لقضت غرابة منحاه لصالحه فأنصت السامع واستجمع القارئ ذهنه، وليخالفه من شاء بعد ذلك.
سهل بن هارون (ت 215 هـ) كاتب مقتدر أراد إثبات رسوخ قدمه في ميدان الكتابة فمدح ماذا، وذم ماذا؟ خمنوا!
مدح البخل وذم الجود! في رسالة مشهورة بين المهتمين بالأدب؛ اختارها الجاحظ لتكون تاجا على رأس كتابه “البخلاء”! وربما لا يكون لها من القيمة إلا قيمتها الفنية التي أبانت اقتدارا فريدا لصاحبها يحق لأكابر المحامين أن يغبطوه عليه.
لم يكن سهل امرأ سهلا ساذجا فيجهل أنه لن يطاع فيما يدعو إليه؛ ولعله لم يرد ذلك، ولكنه خالف ليذكر. وقد أخطأ حين تعرض لثناء معاصريه من الكتاب فعلق أحدهم بقول زياد: “كفى الجود مدحا أن اسمه لم يقع في ذم قط، وكفى البخل ذما أن اسمه لم يقع في مدح قط”!
كما أخطأ حين تعرض بمدح البخل لعطاء قادة عصره فوقع له أحدهم (الحسن بن سهل وزير المأمون) بالقول: “مدحتَ ما ذمَّه الله، وحسّنت ما قبّح الله، وما يقوم صلاحُ لفظك بفساد معناك، وقد جعلنا نوالك عليه قبولَ قولِكَ فيه”.
لم يكن الحسنُ بن سهل بخيلا، وإنما خالف سجينه مع سهل، واحتج لحرمانه بالاقتداء بنصحه ليريه فساد مذهبه. بل كان من كرماء الناسِ وعقلائهم؛ وقد لخص أبو العيناء جوده بالقول: كأنما خَلف آدمَ في ولده، فهو ينفع عَيْلَتهم، ويسدُّ خَلَّتَهم، ولقد رفع الله من شأن الدنيا إذ جعله من سكَانِها.

