
لكي نفهم الأدب (29) الأستاذ: محمدو سالم ولد جدو
كان الحكام الأقدمون يعون أنهم يحكمون أصناف الناس، فلم يروا من اللائق ترك ثغرات في جدران شخصياتهم؛ بل انتزعوا الصدارة في مختلف المعارف والمهارات والمواهب، فنالوا احترام الخاصة قبل العامة والعدو قبل الصديق بخصالهم الحميدة من شجاعة وجود وخطابة.. وغير ذلك.
لم يعتمدوا على المهرجين فينتظروا منهم تحقيق ما لم يحققوه لأنفسهم كما فعل الذين خلفوا من بعدهم. ولذلك كانت تثنى الخناصر بهم في مختلف المفاخر.
كان منهم خطباء مفوهون ذوو بديهة حاضرة، اعتمدوا على ما في صدورهم لا على سطور مستشاريهم، فإذا خرج أحدهم عن النص جاء بنص مواز لا عوار فيه ولا خطل..
من ذلك أن المنصور صعد المنبر يوما فقال: الحمد لله أحمده وأستعينه وأومن به وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له..
فقاطعه أحد الحاضرين قائلا: يا أمير المؤمنين اذكر من أنت في ذكره.
فقال: مرحبا مرحبا! لقد ذكّرت جليلا، وخوفت عظيما، وأعوذ بالله أن أكون ممن إذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم. والموعظة منا بدت، ومن عندنا خرجت. وأنت – يا قائلها- فأحلف بالله ما اللهَ أردت بها، وإنما أردت أن يقال: قام فقال فعوقب فصبر. فأهْوِن بها من قائلها، واهتبلها من الله. ويلك إني قد غفرتها، وإياكم – معشر الناس- وأمثالها!
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله..
فعاد إلى خطبته كأنما يقرؤها من قرطاس.
